هذين القسمين ، دون القسم الأول ، وهذا كما ترى لا يستلزم جهلا لله سبحانه ، ومثال ذلك : أن يقدر الله سبحانه أن يعيش زيد عشرين سنة إن لم يصل رحمه ، ويعيش ثلاثين سنة إن وصل رحمه فإنه تعالى قدر العشرين فإذا عمل زيد بالشرط الموقوف عليه زيد في عمره عشر سنين ، فزيادة العشر بداء في تقدير العشرين والله تعالى كان عالما بذلك من أزل الآزال ، لكن في ذلك التوقيف حكم جليلة لتقدير الخالق المتعال ، فظهور ما قدره الله تعالى مشروطا عند تحقق شرطه - وقد خفي علينا - يسمى بداء ، فتدبر . وبهذا البيان : اتضح وجه الجمع بين طوائف من الأخبار : - منها : ما دل على أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء مثل ما روي في أصول الكافي ( 1 ) عن الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : العلم علمان فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحد من خلقه وعلم علمه ملائكته ورسله . فما علمه ملائكته ورسله ، فإنه سيكون ، ولا يكذب نفسه ، ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون ، يقدم منه ما يشاء ويثبت ما يشاء . ومنها : ما دل على وقوع البداء ، فيما يصل علمه إلى الملائكة والأنبياء أيضا مثل إخبار عيسى بموت المرأة التي كانت تزف إلى زوجها ، ثم لم تمت وظهر خلافه وإخبار ملك الموت داود بموت شاب جالس عنده بعد سبعة أيام ، ثم لم يمت ، وزاد الله في أجله ثلاثين سنة لرحمة داود لهذا الشاب ، وإخبار الله تعالى نوحا بهلاك قومه مرات ثم أخر ذلك وإخباره عز وجل نبيه يونس بهلاك قومه في اليوم المعين ، ثم تاب الله عليهم ، إلى غير ذلك . ووجه الجمع بين الطائفتين أن يكون المراد بما ذكره مولانا الصادق ( عليه السلام ) في الرواية السابقة أن يخبر الله عز وجل نبيه بوقوع أمر ويخبره بأنه من المحتوم الذي لا يغير ، مثل الأخبار الواردة في خروج السفياني الملعون ، قبل قيام القائم عجل الله تعالى فرجه . ويكون المراد بالطائفة الثانية أن يخبر الله تعالى نبيه مثلا بأمر ، ولم يبين له كون ذلك محتوما أو موقوفا في علم الله تعالى على شئ فهذا الأمر ظاهره يكون محتوما ، إذ لم يبين له كونه موقوفا فيمكن أن يقع فيه البداء ، لكونه موقوفا عند الله عز وجل على أمر يظهره للنبي بل هو مخزون عنده ولا يستلزم وقوع خلافه كذبا ولا تكذيبا .