وسيلة أخرى تبين لنا مدى قدرة وقابلية إبراهيم ( عليه السلام ) في المواجهة فهي وسيلة تختبر من يواجهها اختبارا عسيرا ، تختبر إبراهيم ( عليه السلام ) في صدقه بالرسالة وفي دعواه بالعبودية وتكشف الستار عن وجه القوم البشع ، القتل أو الحرق ، فواجه إبراهيم ( عليه السلام ) ذلك بمنتهى الخشوع والطاعة ، واجههم بتلك الروح التي تحملت كل أساليبهم الخبيثة ، واجههم بالتوجه إلى الله والتسليم الكامل إليه نافيا كل أنواع الشركة معه فقد روي أنه لما ألقي إبراهيم في النار تلقاه جبرائيل في الهواء وهو يهوي فقال : يا إبراهيم ألك حاجة فأجابه إبراهيم أما إليك فلا يأله من تسليم مطلق ومن عبودية كاملة جعلته يستغني به عن سواه في أحرج الظروف وأشدها . وهذا درس آخر يرسم إبراهيم لنا ملامحه بهذه الروحية التي استغنت حتى عن جبرائيل ( عليه السلام ) وسلمت الأمر إلى الله تعالى فقال القرآن في ذلك : * ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) * [1] آيات ودروس نستعين بها في حياتنا اليومية وإن اختلفت الأساليب والطرق الموجهة ضد المصلحين . إبراهيم ( عليه السلام ) وطاغية زمانه المواجهة الجديدة مع الملوك ، مع طواغيت الأرض الذين يستعبدون الإنسانية ويحددون لها عقائدها وأفكارها ويسيرونها حسب ما يرغبون ، فلم تقتصر دعوة إبراهيم على قومه بل راح يحاجج الملوك ويهزمهم ، فهذا النمرود الذي أعرض عن ذكر اسمه القرآن الكريم وذكرته لنا روايات أهل البيت ( عليهما السلام ) . " عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان " [2] هذا الطاغية الذي ادعى لنفسه الألوهية عندما قال لإبراهيم ( عليه السلام ) : * ( أنا أحيي وأميت ) * [3] وهذا شأن كل الطغاة في هذه الدعوى وإن كتمها البعض قولا فقد صرح بها عملا ،