فالناس كانوا على علم بالقاتل والفاعل لهذه الفعلة الخسيسة التي ورثها العبّاسيون من الأمويّين ، وبالخصوص من معاوية . وما إن توفي الرضا ( عليه السلام ) ، ومرّت فترة لم تكن طويلة حتّى برز ما أضمره المأمون سنين وسنين ، حيث أمر عامله على مصر بأن ( يغسل المنابر التي دعي عليها لعلي بن موسى فغسلت ) [1] . وبعد كلّ هذه الحقائق الجليّة جاء الكاتب ليبرر شرعيّة خلافة المأمون بكلّ ما في جعبته ، ولكن أبى الصبح إلاّ أن يسفر عن وجهه . جنايات المؤرّخين بحقّ الرضا ( عليه السلام ) : عندما يحاول بعض الناس الالتفاف على قضيّة من القضايا ، يذكر لها أسباب فيها نوع خفاء ، حتّى تنطلي على الناس ، بحيث لا يستطيع أحد أن يكشفها ، بينما نجد بعض المؤرّخين عندما يصلون إلى أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) يتوسّلون بأُمور لا يعقلها الطفل الصغير فضلاً عن القارئ المتأمّل . ونحن هنا أمام حادثة سم الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فلقد جنى الطبري وابن الأثير وأبو الفداء وغيرهم على أنفسهم وعلى عقولهم قبل جنايتهم على الحقيقة ، عندما قالوا في قضيّة موت الرضا ( عليه السلام ) : ( إنّه أكل عنباً فأكثر منه فمات ) [2] . إمام من أئمّة المسلمين ، وولي العهد ، يكثر من أكل العنب فيكون سبباً في موته ، ولا أدري أيوجد مصدِّق لذلك أم لا ؟ ! هذه الأُمور تدعونا للتوقّف أمام كلّ ما نقله هؤلاء في كتبهم ، والبحث عن مقاصدهم ، قبل النظر في سطورهم وأوراقهم . ولم يصدّق البعض هذه الأُكذوبة ، وفكّر بمحاولة جديدة للالتفاف على المسألة ، فقال : إنّ موت الإمام كان فجأة [3] . وهذا على الأقل ، أهون من السابق ، ونسب فريق آخر السم إلى ( القيل ) ليقلّل منها
[1] الولاة والقضاة للكندي : ص 170 . [2] الطبري : ج 7 ، ص 150 ؛ الكامل في التاريخ : ج 6 ، ص 35 ؛ تاريخ أبي الفداء : ج 2 ، ص 23 ، وغيرهم . [3] تاريخ ابن خلدون : ج 3 ، ص 313 .