فالعقل يدعو الانسان إلى التفكر والتدبر ، وان ينتفع من كل وسيلة ممكنة ، لتحقق أهدافه وأغراضه ، فهو يعرج إلى السماء حينا ، فيسير في الفضاء اللامتناهي ، ويغوص في أعماق البحار أحيانا ، فهو يدأب في استثمار أنواع الحيوان والنبات والجماد على ظهر البسيطة ، وقد يتجاوز هذا الحد بأن يتجه إلى استثمار بني نوعه . والانسان حسب طبعه الأولي ، يرى حريته المطلقة في سعادته وكماله ، وبما ان وجوده وجود اجتماعي ، ومتطلباته في الحياة متعددة ، والتي لا ينالها لوحده وبنفسه فحسب ، بل بالتعاون مع أبناء نوعه وهم يتصفون بالغرائز ذاتها ، بما فيها حب الذات والحرية ، إذ تفرض عليه طبيعة المجتمع ان يضحي بقسط من حريته في هذا السبيل قبال المنافع التي يحصل عليها من الآخرين ، فهو يقدم خدمة ، وينتفع بما يقدمه الآخرون من خدمات ، أي انه يتقبل الحياة الاجتماعية التي تتصف بالتعاون ، باكراه وفرض . وهذه الحقيقة تظهر جلية لدى الأطفال والفتيان ، إذ أنهم في البداية ، يحققون ما تصبو إليه نفوسهم بالفرض تارة والبكاء تارة أخرى ، فهم يرفضون كل قانون أو عادة أو ما شاكل ذلك ، ولكن على مر الزمان ، وحسب تطورهم الفكري يدركون ان الحياة لا تتلائم مع الفرض والطغيان ، فيمارسون ما يمارسه الفرد في المجتمع بشكل تدريجي ، حتى يصلوا إلى ما يصل إليه الفرد في مجتمعه ، من اتباع العادات والسنن والقانون ، بالتالي يصبحون وهو يألفون المجتمع . والانسان بعد تقبله الحياة الاجتماعية التي قوامها التعاون ، يرى ضرورة القانون الحاكم على الحياة ، وهو الذي يعين واجبات كل فرد من افراد المجتمع ، ويضع الجزاء لكل من يخالف القانون ، فإذا عم القانون وساد المجتمع ، عندئذ ينال كل من افراد المجتمع السعادة المطلوبة ، التي طالما تمناها .