عنه ، إِمَّا لعدم علمه بالحديث وقلّة المحفوظ منه ، وإِمّا إِعراضاً منه عن السُّنة ، كما يقول الناقمون عليه . وكان خصومه شنَّعوُا عليه : « أَنَّه أَجهل الناس بما كان ، وأَعلمهم بما لم يكن » ! . [1] واستند الكارهون لأبي حنيفة إِلى قول الله تعالى : ( يا أَيُّها الذينَ آمَنوُا لا تَسْأَلوُا عَن أَشياءَ إِنْ تُبدَ لَكُم تَسُؤْكُم ) . [2] كما استدلُّوا بما رواه جماعة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « وَكانَ ينهى عن عُقُوق الأُمَّهاتِ ، وَوَأَدِ البَنات ، ومنع وَهَاتِ » . [3] وفي رواية : « كان ينهى عن : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإِضاعة المال » . [4] وقال ابن عبد البر وابن القيم : « إِنَّ النهي عن السؤال في الآية ، والنهي عن كثرة السؤال ، فإن كانت بعيدة الوقوع أَو مقدَّرة لا تقع ، لم يستحبَّ له الكلام فيها ، وإِن كان وقوعها غير نادر ولا مُستبعد ، وغرض السائل الإِحاطة بعلمها ، ليكون منها على بصيرة إِذا وقعت ، استحب الجواب بما يعلم ، لا سيّما إِنْ كان السائل يتفقَّه بذلك ، ويعتبر بها نظائرها ويفرّع عليها ، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأَولى » . [5] وقال ابن عبد البر في باب الطعن على أَبي حنيفة : « كثير من أَهل الحديث استجازوا الطعن على أَبي حنيفة ، لردِّه كثيراً من أَخبار العدول ، لأنَّه كان يذهب في ذلك إِلى عرضها على ما أَجمع عليه من الأَحاديث ومعاني القرآن ، فما شذَّ عن ذلك ردَّه وسمّاه شاذَّاً . وكان مع ذلك يقول : الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمَّى إِيماناً ، وكل من قال من أَهل السُّنة : الإِيمان قول وعمل ينكرون قوله ، ويبدعونه [6] بذلك ، وكان مع ذلك
[1] جامع بيان العلم 2 : 158 . [2] المائدة 5 : 101 . [3] صحيح البخاري 8 : 143 ، كتاب الإِعتصام ، باب ما يكره من كثرة السؤال . [4] نفس المصدر السابق . [5] أَعلام الموقعين 3 : 449 . [6] عقد البخاري باب : « إِنَّ الإِيمان يزيد وينقص » ، فراجع .