فريق لفريق ، وكان أول بزوغ تلك الحقيقة ، ونمو لبذر تلك الفكرة ، ما حدث بين المسلمين قبل بضعة أعوام في المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف [1] ، من اجتماع ثلة من كبار المسلمين ، وتداولهم في الشؤون الاسلامية ، وتبادل الثقة والإخاء فيما بينهم ، على اختلافهم في المذاهب والقومية ، وتباعد أقطارهم وديارهم ، ذلك الاجتماع الذي هو الأول من نوعه والوحيد في بابه ، الذي علق عليه سائر المسلمين الآمال الجسام ، فكان قرة عين المسلمين ، كما كان قذى عيون المستعمرين ، والذي حسبوا له ألف حساب ، وأوصدوا دونه حسب إمكانهم كل باب . . . ولكن على رغم كل ما قام به أولئك الأعلام من التمهيدات لتلك الغابة ، وما بذلوه من التضحيات والمفادات في غرس تلك البذرة ، وتعاهدها بالعناية والرعاية ، حتى تثمر الثمر الجني ، وتأخذ حظها من الرسوخ والقوة ،
[1] كان ذلك في عام 1350 ه ، وللقارئ الكريم أن يرى الحالة التي آلت إليها أوضاع المسلمين في أيامنا هذه ، وكيف أمسى ما كان يخجل البعض أو يخشى حتى من مجرد الهمس به في أضيق الحدود قضية تتناقلها العديد من وسائل الإعلام الاسلامية ، وتطبل لها دون أي خجل أو حياء ، بل وتجدها عبارات فضفاضة تتردد على شفاه العديد من الرموز التي طالما تبجحت بصلف ، وادعت زورا بأنها أولى من غيرها في التصدي لرفع راية الجهاد والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم ، وأن هذا الحق المغصوب لا بد وأن يستعاد يوما وبأيديهم وبنادقهم ، هم لا أحد سواهم ، وأن القدس لا بد وأن تعود للمسلمين كما كانت ، طاهرة مطهرة ، لا وصاية لليهود عليها ، ولا تدوس أرضها الطيبة أقدامهم القذرة النجسة . . فأين هذه العبارات القاطعة والحدية مما نراه ونسمعه هذه الأيام من مظاهر الذلة والاستكانة والخضوع ، والتسابق المحموم في مد جسور العلاقة مع الصهاينة المغتصبين الذين لم تجف أيديهم بعد من دماء المسلمين ، ولم ولن تنتهي أحلامهم المريضة ببناء دولتهم المزعومة من النيل إلى الفرات . . ! فلا يعدو هذا الجريان نحو السلام الموعود قبال الأرض إلا وهم محض ، واسترخاء كاذب ، واستسلام عجيب أمام استشراء داء السرطان الخبيث في جسده هذه الأمة المبتلاة بالعديد من الرموز الخائنة ، ورحم الله تعالى شيخنا كاشف الغطاء ، فما تراه قائلا لو سمع ما نسمع ، ورأى ما نرى ؟