وترحض ، حتى ينعم في دار القرار بمجاورة الأبرار [1] . وواضح أنه وجد في مأساة الحسين صورة لمأساته ومأساة وطنه . وكأنه لا يبكي الحسين وإنما يبكي نفسه ووطنه حين يقول : " أشهدك اللهم في رزء الشهيد ، وأني أهب التهويم للتسهيد ، ثم لا أبرج ذا غليل برح ، وأليل يجل عن شرح ، مضطرب البال ، مضطرم البلبال " [2] .
وليكون التأثير بالغا والعواطف منفعلة حسبما يتطلب موضوع الحسرة والبكاء ، فقد تخير ابن الأبار أن تكون الفواصل قصيرة ، والسجعات متوازنة ، والكلمات ذات جرس خاص ، حتى إنه ليطلب أكثر من اتفاق أواخر الفواصل في الحروف ، فقد يبلغ الاتفاق ثلاثا أو أربعا أو خمسا أو ستا . واهتمامه بالجرس قاده إلى الجناس الناقص وتشابه الكلمات حروفا ونطقا . وليكون التأثير تاما فتراه يختم كل فكرة أو فقرة وإن قصرت بآية قرآنية أو حديث نبوي أو شعر مناسب أو مثل متخير . وقد يورد ذلك بلفظه أو تضمينا . فهو يصل إلى ما يريد مباشرة ولا يطيل سفر الكلام .
ومما يدل على اهتمامه بأدب البكاء هذا أنه بالإضافة إلى درر السمط فقد كتب كتابا آخرا هو معادن اللجين في مراثي الحسين [3] . ويقول الغبريني عن هذا الكتاب : " ولو لم يكن له من التأليف إلا " هذا الكتاب " لكفاه في ارتفاع درجته ، وعلو