نام کتاب : العمر والشيب نویسنده : ابن أبي الدنيا جلد : 1 صفحه : 16
الزمن ، علت همته فتضاغرت جثته ، وامتلأ عمره بجلائل الأعمال : ولست ترى الأجسام وهي ضئيلة * نواحل إلا والنفوس كبار وكيف ينال المجد والجسم وادع * وكيف ينال الحمد والوفر وافر ؟ ! قال الله - عز وجل - : " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون " [1] . وقال - تبارك وتعالى - " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " [2] . فيا خسارة من ضيع أوقات عمره النفيسة في الأعراض الخسيسة . 9 - ويأتي بعض كتاب الحافظ ابن أبي الدنيا " العمر والشيب " في عصر تفشت فيه البطالة ، وعم فيه الخلاف والتنازع ، وخوت أعمار المسلمين وخلت أعمالهم من كل جليل وهادف - إلا من رحم الله وهم نزر يسير . ويوم صنف ابن أبي الدنيا كتابه هذا ، إنما هدف من ورائه معالجة الواقع الإسلام وقتذاك - القرن الثالث الهجري - فقد كان المجتمع الإسلامي بما أوتي من رخاء واستقرار يزخر بالملهيات والمشغلات من الأقوال والأعمال غير الجادة ، لا سيما وهناك عدد كبير من المقبلين الجدد على هذا الدين لم يعيثوا أيام الجهاد والتضحيات ، ولم يدركوا أيام الجد والكفاح ، فعاشوا في أجواء الخلافات الفقهية ، والسياسية ، والعقدية ، وكانت أجواء مشحونة مترعة هي أقرب إلى النزاع والتفرق ، فأضاعت الكثرة أوقاتها بين الملاهي الوافرة ، أو في الخصومات الحالقة الماحقة ، ولذلك وجدنا كبار المربين من المحدثين قد تحركوا لمعالجة هذه الظاهرة السيئة ، وأرادوا أن ينبهوا الجيل المسلم إلى عقدية ورسالته وغاية وجوده ، وأنه سوف يحاسب ويسأل في نهاية المطاف . وكان من هؤلاء الأئمة الأعلام ابن المبارك وأحمد وهناك وا بن أبي الدنيا ، فقد صنف كل واحد منهم كتابا في الزهد سطر فيه روائع ما تحمله من سير النبلاء في اغتنام العمر ، وحسن القيام بحق الله