وكان من نبذهم الكتاب أن ولّوه الذين لا يعلمون فأوردوهم الهوي وأصدروهم إلي الردي وغيّروا عري الدين ثمّ ورثوه في السفه والصبا .
فالأمّة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر اللّه تبارك وتعالى ، وعليه يردّون ، فبئس للظالمين بدلاً ، ولاية الناس بعد ولاية اللّه ، وثواب الناس بعد ثواب اللّه ، ورضا الناس بعد رضا اللّه ، فأصبحت الأمّة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة علي تلك الضلالة ، معجبون مفتونون ، فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدي بهم ، وقد كان في الرسل ذكري للعابدين ، إنّ نبيّاً من الأنبياء كان يستكمل الطاعة ثمّ يعصي اللّه تبارك وتعالى في الباب الواحد ، فخرج به من الجنّة وينبذ به في بطن الحوت ثمّ لا ينجيه إلاّ الاعتراف والتوبة .
فاعرف أشباه الأحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه ، ( فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ) [1] .
ثمّ أعرف أشباههم من هذه الأمّة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرّفوا حدوده فهم مع السادة والكُبُرَّة ، فإذا تفرّقت قادة الأهواء كانوا مع أكثرهم دنيا ، وذلك مبلغهم من العلم لا يزالون كذلك في طبع وطمع لا يزال يسمع صوت إبليس علي ألسنتهم بباطل كثير يصبر منهم العلماء علي الأذى والتعنيف ويعيبون علي العلماء بالتكليف ، والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة إن رأوا تائهاً ضالاًّ لا يهدونه ، أو ميّتاً لا يحيونه فبئس ما يصنعون لأنّ الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروا به ، وأن ينهوا عمّا نهوا عنه ، وأن يتعاونوا علي البرّ والتقوى ولا يتعاونوا علي الإثم والعدوان .
فالعلماء من الجهّال في جهد وجهاد إن وعظت قالوا : طغت ، وإنّ علموا الحقّ الذي تركوا قالوا : خالفت ، وإن اعتزلوهم قالوا : فارقت ، وإن قالوا : هاتوا برهانكم علي ما تحدّثون قالوا : نافقت ، وإن أطاعوهم قالوا : عصت اللّه عزّ وجلّ ، فهلك جهّال فيما لا