وقيل : يفسّر قوله يسومونكم سوء العذاب ، قوله : « يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ » :
كأنّه قيل ما حقيقة سوء العذاب الَّذي يبغونه لهم ، فأجيب بأنّه يذبحون أبناءكم ، والتشديد للتكثير ، كما يقال فتّحت الأبواب ، والمراد من الأبناء ، الذكور خاصّة ، وإن كان الاسم يقع عليهما في غير هذا الموضع ، كالبنين في قوله : يا بني إسرائيل ، وكانوا يذبّحون الغلمان لا غير ، وكذا الصغار دون الكبار .
« ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ » : ويستبقون بناتكم ، وذلك انّ فرعون رأى في منامه كانّ نارا أقبلت من بيت المقدّس ، فأحاطت بمصر ، وأخرجت كلّ قبطيّ بها ، ولم تتعرّض لبنى إسرائيل ، فهاله ذلك ، وسأل الكهنة والسحرة عن الرؤيا ، فقالوا يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك ، وزوال ملكك ، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل ، وجمع القوابل فقال لهنّ ، لا يسقط على ايديكنّ غلام يولد في بني إسرائيل الَّا قتل ، فكنّ يفعلن ذلك ، حتّى قتل في طلب موسى اثنى عشر ألف صبيّ ، وتسعون ألف وليد ، ثمّ اسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل ، فدخل رؤس القبط على فرعون ، وقالوا انّ الموت وقع في بني إسرائيل ، فتذبح صغارهم ، ويموت كبارهم ، فيوشك ان يقع العمل بنا ، فأمر فرعون ان يذبحوا سنة ، ويتركوا سنة ، فولد هارون في السنة التي لا يذبح فيها ، وولد موسى في السنة الَّتى يذبحون فيها ، وقد شمر فرعون عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد ، فأراد ان يسبق القضاء ، هيهات ويأبى اللَّه الَّا ان يتمّ نوره .
« وفِي ذلِكُمْ » : إشارة إلى التذبيح والاستحياء ، « بَلاءٌ » : محنة وبليّة ، لأنّ الأعمال الشاقّة وذبح الأولاد والاسترقاق ممّا يشقّ على الإنسان ، غاية ، لا سيّما بعد ذبح الولد « مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ » : يحتمل ان يكون من اللَّه هذا الامتحان ، بان خلَّى بينكم وبين فرعون ، حتى فعل هذه الأفاعيل ، فيكون هذا الامتحان لمحنته لكم ، ويحتمل ان يكون الإشارة في قوله وفي ذلكم ، إلي التخلَّص من فرعون ، فيكون نعمة ومنحة عظيمة من اللَّه عليكم لا محنة ، والبلاء ، الاختبار ، واللَّه تعالى يختبر عباده ، تارة بالمنافع ، وتارة بالمضارّ ، ليشكروا ويصبروا ، كما قال ونبلوكم بالشرّ والخير ، وسنّة اللَّه تعالى استدعاء العباد بعبادته ، بسعة الأرزاق ، ودوام