نام کتاب : تفسير مجمع البيان نویسنده : الشيخ الطبرسي جلد : 1 صفحه : 219
بعضا حتى نزل الوحي برفع القتل ، وقبلت توبة من بقي . وذكر ابن جريج أن السبب في أمرهم بقتل أنفسهم أن الله تعالى علم أن ناسا منهم ممن لم يعبد العجل ، لم ينكروا عليهم ذلك ، مخافة القتل ، مع علمهم بأن العجل باطل ، فلذلك ابتلاهم الله بأن يقتل بعضهم بعضا . وإنما امتحنهم الله تعالى بهذه المحنة العظيمة لكفرهم بعد الدلالات والآيات العظام . وقال الرماني : لا بد أن يكون في الأمر بالقتل لطف لهم ، ولغيرهم ، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره . فإن قيل : كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم ، ولا تكليف عليهم بعد القتل ، واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ، ولا فيما يقارنه ؟ فالجواب : إن القوم إذا كلفوا أن يقتل بعضهم بعضا ، فكل واحد منهم يقصد قتل غيره ، ويجوز أن يبقى بعده [1] فيكون القتل لطفا له فيما بعد ، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا ، أو يمتنع عن قبيح . وهذا [2] كما تقول في عباداتنا بقتال المشركين ، وإن الله تعبدنا بأن نقاتل حتى نقتل أو نقتل ، ومدحنا على ذلك . وكذلك روى أهل السير أن الذين عبدوا العجل تعبدوا بأن يصبروا على القتل ، حتى يقتل بعضهم بعضا ، فكان القتل شهادة لمن قتل ، وتوبة لمن بقي . وإنما تكون شبهة لو أمروا بأن يقتلوا نفوسهم بأيديهم ، ولو صح ذلك لم يمتنع أن يكونوا أمروا بأن يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت ، وإن لم يزل معها العقل فينافي التكليف . وأما على القول الآخر إنهم أمروا بالاستسلام للقتل والصبر عليه ، فلا مسألة ، لأنهم ما أمروا بقتل نفوسهم ، فعلى هذا يكون قتلهم حسنا ، لأنه لو كان قبيحا لما أمروا بالاستسلام له ، ولذلك نقول : لا يجوز أن يتعبد نبي ، ولا إمام ، بأن يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه ، فلا يدفعه ، لأن في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على دفعه ، وذلك لا يجوز ، وإنما كان يقع قتل الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، على وجه الظلم ، وارتفاع التمكن من المنع ، غير أنه لا يمتنع من أن يتعبد بالصبر على الدفاع ، وتحمل المشقة في ذلك ، وان قتله غيره ظلما . والقتل ، وإن كان قبيحا بحكم العقل ، فهو مما يجوز تغيره بأن يصير حسنا ، لأنه جار مجرى سائر الآلام ، وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب ، في أنه لا يصير حسنا قط .