وأمّا شاهد القضاء بمعنى الأمر فقوله تعالى : وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه [1] ، يريد أمر ربّك .
وأمّا شاهد القضاء في الاعلام فقوله تعالى : وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [2] ، يعني أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به قبل كونه .
وأمّا شاهد القضاء في الفصل بالحكم بين الخلق فقوله تعالى : واللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ [3] ، يعنى يفصّل بالحكم بالحقّ بين الخلق ، وقوله : وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [4] ، يريد وحكم بينهم بالحقّ ، وفصّل بينهم بالحقّ .
وقد قيل : إنّ للقضاء وجها خامسا ، وهو الفراغ من الأمر ، واستشهد على ذلك بقول يوسف عليه السّلام : قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيه تَسْتَفْتِيانِ [5] ، يعني فرغ منه ، وهذا يرجع إلى معنى الخلق . وإذا ثبت ما ذكرناه من أوجه القضاء ، بطل قول المجبّرة : إنّ اللَّه تعالى قضى بالمعصية على خلقه ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يكونوا يريدون به أنّ اللَّه تعالى خلق العصيان في خلقه ، فكان يجب أن يقولوا : قضى في خلقه ، بالعصيان ولا يقولوا قضى عليهم ، لأنّ الخلق فيهم لا عليهم ، مع أنّ اللَّه تعالى قد أكذب من زعم أنّه خلق المعاصي لقوله سبحانه : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَه [6] ، فنفى عن خلقه القبح ، وأوجب له الحسن ، والمعاصي قبائح بالاتّفاق ، ولا وجه لقولهم : قضى بالمعاصي على معنى أنّه أمر بها ، لأنّه تعالى قد أكذب مدّعى ذلك بقوله : إِنَّ اللَّه لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ [7] .
ولا معنى لقول من زعم أنّه قضى بالمعاصي ، على معنى أنّه أعلم الخلق بها إذا كان