على أنّا لو سلَّمنا لخصومنا ما ادّعوه من أنّه عليه السّلام كان له عند المبعث سبع سنين ، لم يدلّ ذلك على صحّة ما ذهبوا إليه من أنّ إيمانه كان على وجه التلقين دون المعرفة واليقين .
وذلك أنّ صغر السن لا ينافي كمال العقل ، وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك .
هذا باتّفاق أهل النظر والعقول ، وإنّما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية ، وقد قال اللَّه سبحانه في قصّة يحيى عليه السّلام : * ( وآتَيْناه الْحُكْمَ صَبِيًّا ) * ، وقال في قصّة عيسى عليه السّلام : فَأَشارَتْ إِلَيْه قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّه آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [1] .
فلم ينف ( يناف - خ ل ) صغر هذين النبيّين عليهما السّلام كمال عقلهما ، والحكمة التي آتاهما اللَّه تعالى ، ولو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كلّ أحد وعلى كلّ حال .
وقد أجمع أهل التفسير - إلَّا من شذّ منهم - في قوله تعالى : وشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وإِنْ كانَ قَمِيصُه قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [2] ، أنّه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه اللَّه تعالى حتى برأ يوسف عليه السّلام من الفحشاء وأزال عنه التهمة .
والناصبة إذا سمعت هذا الاحتجاج ، قالت : إنّ الذي ذكرتموه فيمن عدّدتموه كان معجزا بخرقه العادة ، ودلالة لنبيّ من أنبياء اللَّه عزّ وجلّ ، فلو كان أمير المؤمنين عليه السّلام مشاركا لمن وصفتموه في خرق العادة ، لكان معجزا له عليه السّلام أو للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، وليس يجوز أن يكون المعجز له ، ولو كان للنبي صلَّى اللَّه عليه وآله ، لجعله في معجزاته ، واحتجّ به في جملة بيّناته ولجعله المسلمون من آياته ، فلمّا لم يجعله رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لنفسه علما ، ولا عدّه المسلمون في معجزاته ، علمنا أنّه لم يجز الأمر على ما ذكرتموه .
فيقال لهم : ليس كلَّما خرق اللَّه به العادات ، وجب أن يكون علما ، ولا لزم أن يكون