الآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْه نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [1] فنبّأهما عليه السّلام بتأويله ، وذلك على تحقيق منه لحكم المنام ، وكان سؤالهما له مع جهلهما بنبّوته دليلا على أنّ المنامات حقّ عندهم ، والتأويل لأكثرها صحيح إذا وافق معناها .
وقال عزّ اسمه : وقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعالِمِينَ [2] ، ثم فسرّها يوسف عليه السّلام وكان الأمر كما قال .
وقال تعالى في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَه السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ [3] .
فأثبتا عليهما السّلام الرؤيا وأوجبا الحكم ولم يقل إسماعيل لأبيه عليه السّلام : يا أبت لا تسفك دمي برؤيا رأيتها ، فإنّ الرؤيا قد تكون من حديث النفس وأخلاط البدن وغلبة الطباع بعضها على بعض ، كما ذهبت إليه المعتزلة .
فقول الإمامية في هذا الباب ما نطق به القرآن ، وقول هذا الشيخ هو قول الملأ من أصحاب الملك حين قالوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، ومع ذلك ، فإنّا لسنا نثبت الأحكام الدينية من جهة المنامات ، وإنّما نثبت من تأويلها ما جاء الأثر به عن ورثة الأنبياء عليهم السّلام .
فأمّا قولنا في المعجزات ، فهو كما قال اللَّه تعالى : وأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيه فَإِذا خِفْتِ عَلَيْه فَأَلْقِيه فِي الْيَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوه إِلَيْكِ وجاعِلُوه مِنَ الْمُرْسَلِينَ [4] .
فضمن هذا القول تصحيح المنام ، إذا كان الوحي إليها في المنام ، وضمن المعجز لها