والمُهَاجِرينَ إلاَّ أنْ تَفْعلوا إلى أولِيائِكم مَعروفا ) * ( الأحزاب 6 ) غيّر المفسِّرون الترتيبَ في هذه الآية فزعموا أن الأصل هو : ( وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضُهُم أولى ببعضٍ ) . والنص المقدّر هذا يجعل المؤمنين أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض .
لماذا فعلوا ذلك ؟ لأنَّهُم وجدوا صعوبةً في فهم المراد ، إذ كيف تكون صلة القربى أهمَّ من صلة الدِّين أو مُقَدَّمَةً عليها ؟
وهكذا تحوّلت الأداة ( مِن ) إلى معنىً آخر ، فبدلاً من أن تكون واسطةً لعمل ( أولى ) كما نقول ( فلان أولى من فلان ) صارت بعضيه ، أي ( فلان من الفلانيين ) . وبدلاً من أن يكون المعنى : ( أولوا الأرحام أولى من المؤمنين . . ) صار المعنى : ( أولوا الأرحام من " مجموعة " المؤمنين بعضهم أولى ببعض ) .
وظلّت ( أولى ) كصيغةٍ من صيغ التفضيل معطلةٌ بلا عمل ! ! .
وهكذا ضربوا القواعد والأساليب العربية بعرض الجدار لأجل إثبات المعنى الذي في أذهانهم بدل المعنى الذي في القرآن .
ويلاحظ المنهج أن القرآن - على ترتيبهم - لم يخبرنا بشيءٍ جديدٍ مطلقاً . فأولوا الأرحام عند الجميع بعضهم أولياء بعضٍ ، فكيف إذا اجتمعت صلة القربى مع صلة الدّين ؟
إنّ الآيةَ تقرّرُ شيئاً هو خلاف ما زعموه : فأولوا الأرحام وفق الترتيب القرآني بينهم صلةٌ مقدّمةٌ على صلة الدِّين . ولكن متى ؟
إنّها بخصوص التعامل الظاهري بين الطوائف والقبائل وسائر الناس من مختلف الأديان في علاقتهم بالمؤمنين والمهاجرين ، وذلك لاستحالة التطبيق العام لقواعد التولّي والبراءة المُشار إليها قُبيل هذه الآية وفي عموم القرآن ما لم يحدث استثناءٌ وتوضيحٌ يمنع وقوع المنازعات والمشاحنات ممَّا يضر بالمؤمنين .
لقد حصرت الآية التعامل مع هؤلاء بعمل ( المعروف ) وليس ( العمل الصالح ) لأنَّ المعروف هو أي عمل من أعمال البر اتّفق عليه جميع الخلق لا فرق بين ملّةٍ وأخرى ولا بين دينٍ وآخر .
