على العكس من ذلك أثبتت لزيدٍ قولاً ولكنه غير هذا القول . ففي العبارة الأولى زيدٌ لا يقول مطلقاً ، وفي الثانية يقول ولكن ليس في هذا الموضع ولا هذا القول .
فالنفي دخل على الاسم في الأولى فأعطاه صفةً مطلقةً ، والنفي دخل على الفعل في الثانية فأعطاه صفةً نسبيةً مؤقتةً .
وأنت تعلم ما في ذلك من جرأةٍ على الذات المقدسة عند التطبيق على الآية . فالعبارة التي فسّروها أثبتت أن الله يظلم ( تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ) ، ولكنه لا يريد الظلم هذه المرّة مع آل فرعون . بينما نفت العبارة القرآنية عنه الظلم بصفةٍ مطلقةٍ .
وعدا ذلك فالمنهج اللفظيّ يكشف شيئاً آخر أكثر أهمية وهو :
ثانياً : لنفهم الآن الفرق بين كونه ( لا يريد ظلم العباد ) وكونه ( لا يريد ظلماً للعباد ) . فالعبارة التي فسّروها هي الأخرى لا وجود لها في القران ، إذ أنّهم فسّروا الأولى ، بينما العبارة القرآنية هي الثانية ، فما الفرق بينهما ؟
تخيّل الآن زيداً أمام القاضي وهو يقول له عبارتين :
( وما أُريدُ أن أسجُنَكَ يا زيدُ ) - أي أريد أن يسجنك غيري .
( وما أُريدُ لك السجنَ يا زيدُ ) - أي أريد لك غير السجن .
فالعبارة الأولى نفت عن القاضي إرادة السجن لزيدٍ ، ومفادها أنه يعتذر له إذا سجن ، فيسجنه مضطراً لإرادة القانون مثلاً .
والعبارة الثانية أثبتت للقاضي إرادةً لكنها غير إرادة السجن ، ومفادها أنَّهُ يدافع عن زيدٍ ، وأنَّه يعمل ضدّ الذين يريدون له السجن .
والآن ارجع إلى الآية وطبّق كلاًّ من الأمرين . . تجد أن معنى الآية ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) هو أن الذين يريدون ظلم العباد هم غيره تعالى ، أما هو فيريد إزالة هذا الظلم ، وإرادتهم هي بالضدّ من إرادته .
إذن فقوله تعالى ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) ليس اعتذاراً للهلاك إذا أهلكهم ، بل هو لتوضيح سبب الإهلاك والإشارة إلى فاعل الظلم ، أي لأنَّ غيره يريد ظلم العباد ويريد هو إزالة الظلم فإنَّهُ يهلك الظالمين لتحقيق إرادته .
إنّ مؤمن آل فرعون - وفي هذا المقطع - يشرح لهم القانون الذي يتمُّ به إهلاك الأقوام ، وهو أنهم ظلموا العباد فأهلكهم الله . فالعبارة القرآنية لا تنفي الظلم عنه
