والمعنى في الآية عميقٌ جدّاً ويتعلّقُ بالمشيئة خلاصته :
( إنّ الأمر يتعلّقُ بمشيئتكم ، فإذا شئْتم أن تشكروا فإنّ ذلك يُدخلكم في مجموعة العباد ، وهو لا يرضى لعباده الكفر . وإذن فإنّكم تهتدون إذا رغبتم في الهداية بنيّةٍ صادقةٍ لأنَّه لا يضلُّ العباد ، بل يهديهم وإذا شئتم أن تكفروا فإنَّهُ غنيٌّ عنكم ) .
فالمجموعة المخاطبة هي عموم الناس ، وأما ( العباد ) فهم بنفس المعنى السابق . وظهور المشيئة بين من أعطاهم الحرية في الاختيار بين الكفر والايمان .
7 . قوله تعالى * ( ومَا اللهُ يُريدُ ظُلْمَاً للعِبَاد ) * ( غافر 31 ) جاء هذا الترتيب في محاورة مؤمنِ سورةِ غافرٍ مع آل فرعون في السياق الآتي من قوله تعالى : * ( وقَالَ الَذي آمَنَ يا قَومِ إِنِّي أَخافُ علَيْكُم مِثْلَ يَومِ الأحْزَاب * مِثْلَ دأْبِ قَومِ نُوحٍ وَعاَدٍ وَثَمودَ والذِينَ مِنْ بَعْدِهِم ومَا اللهُ يُريدُ ظُلْمَاً للعِبَاد ) * ( غافر 30 - 31 ) ويُفهم منه بحسب المتبادر للذهن أن الأمم الهالكة هي من جملة العباد ، وأنّ الله إذا أهلك آل فرعون مثلهم فإنّه لا يظلمهم . وهذا ما اتّفقَ عليه أهل التفسير بصفةٍ عامةٍ .
إنّ المنهج اللفظي يقلب هذه القضية رأساً على عقبٍ ، ويُظهر تخبّطاً وتجاوزاً على الله بهذا التفسير لأنَّه :
أولاً : يلاحظ المنهج فرقاً بين العبارة القرآنية والعبارة التي فسّروها . فالعبارة التي فسّروها لا وجود لها في القرآن ، لأنَّهُم فسّروا العبارة التالية : ( وما يريد الله ظلماً للعباد ) ، بينما العبارة القرآنية فهي : ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) . لأنَّهُم قالوا : ( فإذا أهلكهم الله فإنَّهُ لا يظلمهم لأنَّه لا يريد ظلماً للعباد ) . ولصعوبة الفهم على البعض فسنشرح الفرق بين العبارتين : العبارة القرآنية والعبارة التفسيرية بفعلٍ آخر لا يتعلّق بالإرادة . لاحظ الفرق بين العبارتين التاليتين :
( وما زيدٌ يقولُ هذا القول ) - أي أن القائل هو غير زيد .
( وما يقول زيدٌ هذا القول ) - أي أنه يقول غير هذا القول .
لقد توضّح لك الأمر بجلاء ، وعليك الآن أن تلاحظ الفرق في الزمان . فالعبارة الأولى نفت القول عن زيدٍ بصورةٍ دائمةٍ لأنَّ القائل غيره . والعبارة الثانية
