هذا المورد من السورة نفسها ، * ( إنَّ الَّذينَ آمنوا والّذين هادوا والصَابئون والنَصَارى من آمَنَ باللهِ واليَومِ الآخرِ وَعَمِلَ صَالِحَاً فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يحزَنون ) * ( المائدة 69 ) فكيف يزعم ابن هشام أنَّ الجميعَ كفّارٌ ؟ فهناك فرقٌ بين ( الذين قالوا ) وبين ( الذين يقولون ) .
الآية الثالثة : قوله تعالى :
* ( الَّذين استَجَابوا للهِ والرَسولِ مِن بَعدِ ما أصَابَهم القَرَحُ للذين أحسَنوا مِنهُم واتَّقوا أجرٌ عظيم ) * ( آل عمران 172 ) زعم ابن هشام أنَّ ( منهم ) هنا زائدة ، إذ يُفهم ذلك من قوله المقتضب المؤلّف من ثلاث كلماتٍ فقط وهو : ( وكلُّهم محسنٌ ومتَّقٍ ) . ويظهر أنَّ الرجلَ لا ينظر إلاَّ بعينٍ واحدةٍ ، فلم يرَ زيل الآية ( أجرٌ عظيم ) ، ولم ينتبه إلى أنَّ الأجر العظيم مختلفٌ عن الأجر الكبير ، ومختلفٌ عن الأجر الذي ورد بصيغة النكرة ( أجراً ) ، ومختلفٌ عن أجورٍ أخرى كثيرةٍ موزّعةٍ على المؤمنين بحسب طبقاتهم ، فكيف يكون كلّهم ( محسنٌ ومتق ) ؟ . قال تعالى :
* ( لَيسَ عَلَى الَّذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فيمَا طعِموا إذا مَا اتَّقوا وآمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحَاتِ ثمَّ اتَّقوا وآمَنوا ثمَّ اتَّقوا وَأحَسَنوا واللهُ يُحبُّ المُحسِنين ) * ( المائدة 93 ) ففي هذه الآية أربع مراتب للمؤمنين :
آمنوا وعملوا الصالحات .
اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات .
اتَّقوا وآمنوا .
اتّقوا وأحسنوا .
واقترنت المحبّةُ بالدرجة الرابعة فقط حينما قال : * ( واللهُ يُحبُّ المُحسِنين ) * وجميع هؤلاء هم طبقاتٌ من المؤمنين . أفَحَسِبَ ابنُ هشامٍ أن يُؤتى ( الأجر العظيم ) وهو لم ( يُحسِن ) حتى تخريج الحروف قائلاً في كتاب الله ما شاء له هواه ؟ . ألا ترى أنَّ الآية الوارد ذكرها تخصّ المرتبة الرابعة فقط من المراتب التي تذكرها الآية الثالثة ، وأنَّ الأجر العظيم مخصوصٌ بهؤلاء فقط ( من بين ) مجموعة الذين استجابوا من بعد ما مسّهم القرح ؟ . . فتخيّل أي اضطرابٍ سيحدث في جميع الآيات المتعلّقة بألفاظٍ مشتركةٍ مع هذه الآية عندما يزعم الرجل أنَّ ( منهم ) هو لفظٌ زائدٌ عن حاجة السياق .