( قبل ) ! فهل سمعتم أيُّها الناس في تاريخ الخلق كلّهم شرحاً لمفردةٍ لغويةٍ بهذه الطريقة العجيبة ؟
وإذا كان أحدٌ قد توهّمَ أن ( الذكر ) هو ( القرآن ) أو كان هو قد ( حرّف ) الأمر عن قصدٍ ، فقد جاء النحوي ليعطيه شهادةً على صحّة ما فعل بادّعائه أنَّ ( قبلَ ) هي ( قبلُ ) و ( بعدَ ) هي ( بعدُ ) في كلّ لغات الأمم إلاَّ في هذه الآية فإنَّ ( بعدَ ) هي ( قبلُ ) ! وصارت هذه الشهادة قاعدةً يجري عليها التفسيرُ كلَّما مرَّ بالآية .
وكان الأجدر بالنحوي دون سواه أن يتوقّف هنا ويتأمّل . . فعسى أن يكون ما قاله الناس عن معنى ( الذكر ) شيئاً خاطئاً .
فإنَّ ( الذكر ) هذا اللفظ المعرّف بألّ التعريف ورد في القرآن أكثر من مرّةٍ بما يدلُّ دلالةً واضحةً على أنَّه شيءٌ هو غير ( القرآن ) . لاحظ الآيتين التاليتين :
* ( ص * والقُرآن ذِي الذِكر ) * ( ص 1 ) * ( وَأَنزَلنَا إلَيكَ الذِكْرَ لِتبيِّنَ للنَاسِ مَا نُزِّلَ إليهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفكّرون ) * ( النحل 44 ) فهل يُعقل أن يكون ( والقرآن ذي القرآن ) ؟ وهل يُعقل أنَّ القرآن أُنزِلَ إليه ( صلى الله عليه وآله وسلّم ) ليُبيِّنَ للناسِ القرآن ؟ . . فهذه دلالةٌ من أوضح الدلالات هجَرَها النحويون والمفسِّرون سويةً . والذين وجدوا حرجاً في تحويل ( بعد ) إلى ( قبل ) لم يخرجوا قط ولا فكّروا أبداً في أن يخرجوا من المفهوم الخاطئ الذي يجعل ( الذكر ) و ( القرآن ) شيئاً واحداً ، فخرجت تأويلاتهم بادرةً مثل برودة أعصابهم . حيث زعموا أن القرآن قبل الزبور في ( اللوح المحفوظ ) ! !
فانظر أيَّ اطلاعٍ لديهم على الأسرار الإلهية وملفَّات الرسالات السماوية . . ! ! ولا نعلم ما الذي أدراهم بتلك الأسرار ، إذ كلّ ما نعلمه أن ( الزبور ) هو أيضاً من كلام الله :
* ( وَآتَينَا دَاودَ زَبُورا ) * ( الإسراء 55 ) ولم يتوقّف الأمر عند أمثال ذلك من التعسّف النحوي والتفسيري ، فكان القرآن هو مسرحَ مجادلاتهم النحوية وقواعدهم الإعرابية ، يؤوّلون كيف شاءوا ، ويحذفون كيف شاءوا ، ويقدّرون الجملة كيف شاءوا ، ويقدّمون ما تأخّر ، ويؤخّرون ما تقدّم ، ويجعلون الحقيقة كنايةً ، والمثلَ
