الآيات بالخديعة والغفلة ومرض القلب والسفه والغرور ومتابعة الهوى والخبث والإصرار على الضلالة . . ونعتهم الناس بالطابور الخامس ، وبالعملاء الأدنياء ، وبالمفسدين والمراءين ، وهم موجودون في هذا العصر ، كما وجدوا في عهد الرسول وقبله ، وسيوجدون في الأجيال الآتية ، ولكنهم ملعونون أينما وجدوا ، حتى وهم في قبورهم ، وان نجحوا فإلى حين ، أما نجاح الصادقين المخلصين فإلى آخر يوم .
ومن طريف ما قرأته عن المنافقين قول محي الدين المعروف بابن عربي في الجزء الرابع من الفتوحات المكية : « ما أحسن ما قال تعالى : « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ » فإنهم مجبولون على النسيان ، ولا يستخفون من اللَّه الذي لا يضل ولا ينسى ، وكان الأولى لو صح عكس القضية » .
ومعنى هذه العبارة ان المنافق لو تدبر أمره ، وكان على شيء من الفكر والعقل لوجب ان يخفي جرائمه ونقائصه عن اللَّه - لو أمكن - لا عن الناس ، لأن الناس لا يملكون له نفعا ولا ضرا ، والذي في يده النفع والضر هو وحده . .
هذا ، إلى أن الناس ينسون ما يرونه من السيئات والموبقات ، فيتكلمون على صاحبها ، وينالون منه بعض الوقت ، ثم ينسون ويسكتون ، كأن لم يكن شيء . .
وقد شاهدنا الكثير ممن ارتكب العظائم ، وافتضح بها لدى الملأ ، حتى توارى من سوء فعلته . . ثم ظهر للناس ، وجالسوه ، وتعاملوا معه ، كأي بريء ونزيه . . وربما منحوه ثقتهم ، واختاروه للمناصب العامة ، بل قد يتولى منصبا دينيا مقدسا لا يتولاه الا نبي أو وصي نبي . وبالإضافة إلى ان الناس ينسون فإنهم يمدحون ويذمون تبعا للغرض والهوى ، فيجدر بالعاقل أن يخاف اللَّه ، ولا يخاف الناس ، وان يكون رقيبا على نفسه ، فيجنبها ما يستحي منه ، ولا يحب أن يعرف به ، ويؤاخذ عليه . ولا أحد أجبن ممن يعمل في السر ما يستحي منه في العلانية .