اللَّه مثلا لصدقة المراءين والمؤذين ضرب مثلا في هذه الآية لصدقة المخلصين ، كما هو شأنه عز وجل في المقابلة بين الضدين ، وإذا كانت صدقة أولئك كصفوان عليه تراب فان صدقة هؤلاء كجنة في مرتفع من الأرض ، عميقة التربة ، لا يخشى عليها من السيول ، كما هي حال حفنة التراب على الحجر الأملس ، وهذه الجنة تثمر في السنة مثلي ما يثمر غيرها في المعتاد ، ولا تمحل إطلاقا ، لجودة تربتها ، ويكفيها القليل من الري ، حتى الندى ، لرطوبة ثراها ، واعتدال جوها ، وهذا هو معنى قوله : فآتت أكلها - أي ثمرها - ضعفين فان لم يصبها وابل - مطر غزير - فطل ، وهو الندى .
أما قوله : « ابتغاء مرضاة اللَّه وتثبيتا من أنفسهم » فإنه إشارة إلى أمرين : الأول ان المؤمنين يطلبون مرضاة اللَّه من الإنفاق . الثاني ان هذا الإنفاق كان بدافع من أنفسهم ، لا بدافع خارجي : وقيل : تثبيتا من أنفسهم معناه انهم يجاهدون أنفسهم ، ويمرنونها على الطاعة بالبذل . . وهذا المعنى يصح إذا كانت من هنا بمعنى اللام ، كقوله تعالى . . « مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا » أي لخطاياهم ، وكقول الفرزدق في الإمام زين العابدين : يغضي حياء ويغضى من مهابته .
وبعد ، فان في هاتين الآيتين من معجزة البلاغة ما لا تجدها في غير كلامه جلت عظمته . . فقد شبه أولا صدقة الأذى بصدقة الرياء ، وشبه هذه بالتراب على الصفوان يذهب مع الريح والأمطار ، ثم ذكر في مقابل هذه الصدقة الخاسرة الصدقة الرابحة ، وهي صدقة الايمان ، وانها كبستان خصب التربة ، يهب الخيرات على الدوام وفي كل عام ، سواء أجادت السماء بالمطر الغزير ، أو الخفيف .
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الآية 266 أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وأَصابَهُ الْكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 266 )