والضراء المرض ، وما إليه ، وحين البأس شدة الحرب ، وليس القصد من الصبر على الفقر والمرض الرضا بهما . . كلا ، فان الإسلام قد أوجب السعي جهد المستطاع للتخلص من الفقر والمرض والجهل ، ومن كل ما يعوق الحياة عن التقدم ، وانما القصد ان لا ينهار الإنسان أمام الشدائد ، وان يتماسك ويتمالك ويعمل بروية وثبات للتخلص مما ألمّ به من النوازل . . وقال بعض المفسرين :
انما خص اللَّه هذه الثلاث بالذكر ، مع ان الصبر محمود في جميع الأحوال ، لأن هذه الثلاث أشد البلاءات جميعا ، فمن صبر فيها كان في غيرها أصبر .
( أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) . أولئك إشارة إلى الذين استجمعوا كل هذه الخصال من أصول العقيدة ، وبذل المال وتأدية العبادة للَّه ، والأخلاق الحميدة ، وانهم الصادقون في ايمانهم ، المتقون بأفعالهم لغضب اللَّه وعذابه ، أما الذين يقولون بأفواههم آمنّا ، ولا ينفقون ما يحبون ، ويفون بما يلتزمون ، ويصبرون في الشدائد ، أما هؤلاء فهم أبعد الناس عن البر وأهله .
البارّ في مفهوم القرآن :
تعرضت هذه الآية لخمسة أمور : أولها أصول العقيدة ، وثانيها التكاليف المالية ، وثالثها العبادة ، ورابعها الوفاء بالعهد ، وخامسها الصبر في الشدائد ، والأخيران من شؤون الأخلاق .
وبديهة ان العبادة كالصلاة والصوم أثر من آثار الايمان باللَّه ، وعلامة من علاماته التي لا تنفك عنه ، لأن من لا يعترف بوجود اللَّه لا يتعبد له . . أما بذل المال والوفاء بالعهد والصبر في الشدائد فتكون من المؤمن والجاحد ، فان أكثر المؤمنين باللَّه أو الكثير منهم يقولون ما لا يفعلون ، ويبخلون بالقليل ، حتى على أنفسهم ، وينهارون جزعا أمام كل فاجعة ونازلة . . وقد يضحي الجاحد بالغالي والثمين في سبيل العدالة والانسانية ، ويثبت في الشدائد ، ويصدق في جميع أقواله وأفعاله . . إذن ، لا تلازم بحسب الظاهر بين الايمان والخلق الحميد ، ولا بين الكفر والخلق الذميم أما في الواقع فلا ايمان بلا تقوى .
ولكن هذه الآية : ( لَيْسَ الْبِرَّ ) الخ . . قد اعتبرت الايمان والأخلاق الحميدة