والحال خبر ، أراد أن يبين أوجه صحة التعبير عن الخبر بالانشاء بواسطة أن هؤلاء كانوا يظنون دعاءهم مستجابا مخبرا بوقوع المدعو فيه ، ونظير ورود الامر بصيغة الخبر تنبيها على تحقق وقوعه ، قال محمود ( ومعناه غير مسمع جوابا الخ ) قال أحمد : والظاهر أن الكلم المحرف إنما أريد به في هذه السورة مثل - غير مسمع وراعنا - ولم يقصد ههنا تبديل الاحكام وتوسطها بين الكلمتين ، بين قوله - يحرفون - وبين قوله - ليا بألسنتهم - والمراد أيضا تحريف مشاهد بين على أن المحرف هما وأمثالهما . وأما في سورة المائدة فالظاهر والله أعلم أن المراد فيها بالكلم الاحكام وتحريفها تبديلها ، كتبديلهم الرجم بالجلد ، ألا تراه تقبه بقوله - يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا - ولاختلاف المراد بالكلم في السورتين ، قيل في سورة المائدة - يحرفون الكلم من بعد مواضعه - أي ينقلونه عن الموضع الذي وضعه الله فيه ، فصار وطنه ومستقره إلى غير الموضع فبقى كالغريب المتأسف عليه الذي يقال فيه هذا غريب من بعد مواضعه ومقاره ، ولا يوجد هذا المعنى في مثل راعنا وغير مسمع ، وإن وجد على بعد فليس الوضع اللغوي مما يعبأ بانتقاله عن موضعه كالوضع الشرعي ولولا اشتمال هذا النقل على الهزء والسخرية لما عظم أمره ، فلذلك جاء هنا يحرفون الكلم عن مواضعه غير مقرون بما قرن به الأول من صورة التأسف ، والله أعلم .
