وقوله : * ( فَتَكُونَا ) * يحتمل أن يكون جواباً للنهي فيكون موضعه نصباً ، وهو الأقوى ، ويحتمل أن يكون عطفاً على النهي فيكون موضعه جزماً وكلاهما جيد محتمل ، ومتى كان جواباً كان تقديره : إن قربتما كنتما من الظالمين ، لأنّه يتضمّن معنى الجواب ، وإذا كان عطفاً على النهي فكأنّه قال : لا تكونا من الظالمين ، وأجاز البصريون من أهل العدل أن يبتدئ الله الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضّلاً منه لا على وجه الثواب ، لأنّ ذلك نعمة منه تعالى ، كما أنّ خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه ، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك .
وقال أبو القاسم البلخي : لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء ، لأنّه لو جاز ذلك ، لما خلقهم في دار المحنة ، ولما ابتلى من يعلم أنّه يكفر ويصير إلى عذابه ، وإنّما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة ، لأنّه لو خلقهم فيها ، لم يخل : إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر ، أو لا يكونوا كذلك فلو كانوا غير متعبدين ، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ، ولو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد ، ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه في دار الدنيا ، وكان لا بد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون .
وأجاب عن ذلك الأولون بأن قالوا : لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته ، وألجأهم إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح منعوا منه ، فلا يؤدي ذلك إلى ما قاله : كالحور العين والأطفال والبهائم إذا حشرهم يوم القيامة .
قوله تعالى : * ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ ) * آية بلا خلاف ( 36 ) .