أنبياءهم ، وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم وسخف عقولهم وتعنتهم نوعا من أنواع التعسف ، وشعبة من شعب التكلف ، فإن الحيتان كانت يوم السبت كما وصف الله سبحانه بقوله - إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم - فاحتالوا لصيدها ، وحفروا الحفائر وشقوا الجداول ، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصيدونها يوم الأحد ، فلم ينتفعوا بهذه الحيلة الباطلة . والخاسئ : المبعد ، يقال :
خسأته فخسأ وخسئ وانخسأ : أبعدته فبعد . ومنه قوله تعالى - ينقلب إليك البصر خاسئا - أي مبعدا . وقوله - اخسئوا فيها - أي تباعدوا تباعد سخط ، ويكون الخاسئ بمعنى الصاغر . والمراد هنا . كونوا بين المصير إلى أشكال القردة مع كونهم مطرودين صاغرين ، فقردة خبر الكون . وخاسئين خبر آخر ، وقيل إنه صفة لقردة والأول أظهر . واختلف في مرجع الضمير في قوله ( فجعلناها ) وفي قوله ( لما بين يديها وما خلفها ) فقيل العقوبة ، وقيل الأمة ، وقيل القرية ، وقيل القردة ، وقيل الحيتان ، والأول أظهر . والنكال : الزجر والعقاب ، والنكل : القيد لأنه يمنع صاحبه ، ويقال للجام الدابة نكل لأنه يمنعها ، والموعظة مأخوذة من الاتعاظ والانزجار ، والوعظ :
التخويف . وقال الخليل : الوعظ التذكير بالخير . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة ، وكان بنو إسرائيل أسفل منه . وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : الطور ما أنبت من الجبال ، وما لم ينبت فليس بطور .
وأخرج ابن جرير عنه في قوله ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) قال : أيجد . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ( واذكروا ما فيه ) قال : اقرءوا ما في التوراة واعملوا به . وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن أبي عباس في قوله ( لعلكم تتقون ) قال : لعلكم تنزعون عما أنتم عليه . وأخرج ابن جرير عنه قال ( ولقد علمتم ) أي عرفتم ) واعتدوا ) يقول : اجترءوا في السبت بصيد السمك ، فمسخهم الله قردة بمعصيتهم ، ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل . وأخرج ابن المنذر عنه قال : القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا ، وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال : انقطع ذلك النسل . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كقوله - كمثل الحمار يحمل أسفارا - وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال . أحلت لهم الحيتان وحرمت عليهم يوم السبت ليعلم من يطيعه ممن يعصيه فكان فيهم ثلاثة أصناف ، وذكر نحو ما قدمناه عن المفسرين . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : صار شباب القوم قردة ، والمشيخة صاروا خنازير . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( خاسئين ) قال : ذليلين . وأخرج ابن المنذر عنه في قوله ( خاسئين ) قال : صاغرين . وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( فجعلناها نكالا لما بين يديها ) من القرى ( وما خلفها ) من القرى ( وموعظة للمتقين ) الذين من بعدهم إلى يوم القيامة . وأخرج ابن جرير عنه ( فجعلناها ) يعني الحيتان ( نكالا لما بين يديها وما خلفها ) من الذنوب التي عملوا قبل وبعد . وأخرج ابن جرير عنه ( فجعلناها ) قال :
جعلنا تلك العقوبة وهي المسخة ( نكالا ) عقوبة ( لما بين يديها ) يقول : ليحذر من بعدهم عقوبتي ( وما خلفها ) يقول : للذين كانوا معهم ( وموعظة ) قال : تذكرة وعبرة للمتقين .