قيل الخطاب في قوله ( ثم أفيضوا ) للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات ، بل كانوا يقفون بالمزدلفة ، وهي من الحرم ، فأمروا بذلك - وعلى هذا تكون ثم لعطف جملة على جملة لا للترتيب - وقيل الخطاب لجميع الأمة ، والمراد بالناس إبراهيم : أي ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم ، فيحتمل أن يكون أمرا لهم بالإفاضة من عرفة ، ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى وهي التي من المزدلفة ، وعلى هذا تكون ثم على بابها أي للترتيب . وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري ، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة ، ومواطن القبول ، ومظنات الإجابة - وقيل إن المعنى استغفروا للذي كان مخالفا لسنة إبراهيم ، وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة . والمراد بالمناسك أعمال الحج ، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " خذوا عني مناسككم " أي فإذا فرغتم من أعمال الحج فاذكروا الله ، وقيل المراد بالمناسك الذبائح ، وإنما قال سبحانه ( كذكركم آبائكم ) لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم ، فأمرهم الله بذكره مكان ذلك الذكر ، ويجعلونه ذكرا مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم . قال الزجاج : إن قوله ( أو أشد ) في موضع خفض عطفا على ذكركم ، والمعنى أو كأشد ذكرا ، ويجوز أن يكون في موضع نصب :
أي اذكروه أشد ذكرا . وقال في الكشاف : إنه عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ( كذكركم ) كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا . قوله ( فمن الناس من يقول ) الآية ، لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره ، وكان الدعاء نوعا من أنواع الذكر جعل من يدعوه منقسما إلى قسمين : أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا يلتفت إلى حظ الآخرة ، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعا ، ومفعول الفعل ، أعني قوله ( آتنا ) محذوف : أي ما نريد أو ما نطلب ، والواو في قوله ( وماله ) واو الحال ، والجملة بعدها حالية . والخلاق : النصيب : أي وما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب ، لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها ولا يطلب سواها . وفي هذا الخبر معنى النهى عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده . وقد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية ، فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية ومالا بد منه من الرزق ، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا ، وقيل المراد بحسنة الدنيا : الزوجة الحسناء ، وحسنة الآخرة : الحور العين ، وقيل حسنة الدنيا : العلم والعبادة ، وقيل غير ذلك . قال القرطبي : والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة . قال : وهذا هو الصحيح ، فإن اللفظ يقتضي هذا كله ، فإن حسنة نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل ، وحسنة الآخرة : الجنة بإجماع انتهى . قوله ( وقنا ) أصله أوقنا حذفت الواو كما حذفت في يقي لأنها بين ياء وكسرة مثل يعد ، هذا قول البصريين ، وقال الكوفيون : حذفت فرقا بين اللازم والمتعدي . وقوله ( أولئك ) إشارة إلى الفريق الثاني ( لهم نصيب من ) جنس ( ما كسبوا ) من