قريش انتهى . وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه ، فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه . قوله ( والفتنة أشد من القتل ) أي الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم ، وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل ، وقيل المراد بالفتنة : المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو عرضه ، وقيل إن المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون ، لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما يستعظمونه ، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم . والظاهر أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان ، وعلى أي صورة اتفقت ، فإنها أشد من القتل .
قوله ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) الآية ، اختلف أهل العلم في ذلك ، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة ، وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له ، وهذا هو الحق . وقالت طائفة :
إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على الخاص ، فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم ، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم " إنها لم تحل لأحد قبلي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار " وهو في الصحيح . وقد احتج القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وآله وسلم لابن خطل ، وهو متعلق بأستار الكعبة : ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم . قوله ( فإن انتهوا ) أي عن قتالكم ودخلوا في الإسلام . قوله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) فيه الأمر بمقاتلة المشركين إلى غاية هي أن لا تكون فتنة وأن يكون الدين لله ، وهو الدخول في الإسلام ، والخروج عن سائر الأديان المخالفة له ، فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله ، قيل المراد بالفتنة هنا الشرك ، والظاهر أنها الفتنة في الدين على عمومها كما سلف . قوله ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) أي لا تعتدوا إلا على من ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ، ولم يدخل في الإسلام ، وإنما سمي جزاء الظالمين عدوانا مشاكلة كقوله تعالى - وجزاء سيئة سيئة مثلها - . وقوله ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) .
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله ) الآية أنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة ، فلما نزلت كان رسول الله يقاتل من قاتله ، ويكف عمن كف عنه ، حتى نزلت سورة براءة . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في هذه الآية قال : إن أصحاب محمد أمروا بقتال الكفار . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولا تعتدوا ) يقول لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى السلم وكف يده ، فإن فعلتم فقد اعتديتم . وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : إن هذه الآية في النساء والذرية . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ( والفتنة أشد من القتل ) يقول : الشرك أشد من القتل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من أن يقتل محقا .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) قال : حتى يبدءوا بالقتال ، ثم نسخ بعد ذلك فقال ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه عن قتادة أن قوله ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ) وقوله - يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير - فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعا في براءة قوله - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة - . وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ( فإن انتهوا ) قال : فإن تابوا . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس