الذي لم يبق منهم أحدا . فليحذر هؤلاء أن يستمروا على تكذيبهم ، فيحل بهم ما أحل بالأمم المكذبين ، والقرون المهلكين . وفي هذا دليل على وجوب التثبت في الأمور ، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يبادر بقبول شيء أو رده ، قبل أن يحيط به علما . * ( ومنهم من يؤمن به ) * أي : بالقرآن وما جاء به ، * ( ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين ) * وهم الذين لا يؤمنون به على وجه الظلم ، والعناد ، والفساد ، فسيجازيهم على فسادهم بأشد العذاب . * ( وإن كذبوك ) * فاستمر على دعوتك ، وليس عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، لكل عمله . * ( فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) * ، كما قال تعالى : * ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ) * . * ( ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون * إن الله لا يظلم الناس شيئا ول كن الناس أنفسهم يظلمون ) * يخبر تعالى عن بعض المكذبين للرسول ولما جاء به ، * ( و ) * أن * ( منهم من يستمعون ) * إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقت قراءته للوحي ، لا على وجه الاسترشاد ، بل على وجه التفرج والتكذيب ، وتطلب العثرات ، وهذا استماع ، غير نافع ، ولا مجد على أهله خيرا . لا جرم ، انسد عليهم باب التوفيق ، وحرموا من فائدة الاستماع ، ولهذا قال : * ( أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ) * . وهذا الاستفهام بمعنى النفي المتقرر ، أي : لا تسمع الصم ، الذين لا يستمعون القول ، ولو جهرت به ، وخصوصا إذا كان عقلهم معدوما . فإذا كان من المحال إسماع الأصم الذي لا يعقل للكلام ، فهؤلاء المكذبون ، كذلك ممتنع إسماعك إياهم إسماعا ينتفعون به . وأما سماع الحجة ، فقد سمعوا ما تقوم عليهم به حجة الله البالغة ، فهذا طريق عظيم ، من طرق العلم ، قد انسد عليهم ، وهو طريق المسموعات المتعلقة بالخبر . ثم ذكر انسداد الطريق الثاني ، وهو : طريق النظر فقال : * ( ومنهم من ينظر إليك ) * فلا يفيدهم نظرهم إليك ، ولا استراحوا لك شيئا ، فكما أنك لا تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون ، فكذلك لا تهدي هؤلاء . فإذا فسدت عقولهم ، وأسماعهم ، وأبصارهم ، التي هي الطرق الموصلة إلى العلم ومعرفة الحقائق ، فأين الطريق الموصل لهم إلى الحق ؟ ودل قوله : * ( ومنهم من ينظر إليك ) * الآية ، أن النظر إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ، وأخلاقه ، وأعماله ، وما يدعو إليه من أعظم الأدلة على صدقه ، وصحة ما جاء به ، وأنه يكفي البصير عن غيره من الأدلة . وقوله : * ( إن الله لا يظلم الناس شيئا ) * فلا يزيد في سيئاتهم ، ولا ينقص من حسناتهم . * ( ولكن الناس أنفسهم يظلمون ) * يجيئهم الحق ، فلا يقبلونه ، فيعاقبهم الله بعد ذلك بالطبع على قلوبهم ، والختم على أسماعهم وأبصارهم . * ( ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ) * يخبر تعالى عن سرعة انقضاء الدنيا وأن الله تعالى إذا حشر الناس وجمعهم ليوم لا ريب فيه ، كأنهم ما لبثوا إلا ساعة من نهار ، وكأنه ما مر عليهم نعيم ولا بؤس ، وهم يتعارفون بينهم ، كحالهم في الدنيا . ففي هذا اليوم ، يربح المتقون ، ويخسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين ، إلى الصراط المستقيم ، والدين القويم ، حيث فاتهم النعيم ، واستحقوا دخول النار . * ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) * أي : لا تحزن أيها الرسول على هؤلاء المكذبين ، ولا تستعجل لهم ، فإنهم لا بد أن يصيبهم الذي نعدهم من العذاب . إما في الدنيا ، فتراه بعينك ، وتقر به نفسك . وإما في الآخرة بعد الوفاة ، فإن مرجعهم إلى الله ، وسينبئهم بما كانوا يعملون ، وأحصاه ونسوه ، والله على كل شيء شهيد ، ففيه الوعيد الشديد لهم ، والتسلية للرسول الذي كذبه قومه وعاندوه . * ( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون * ويقولون متى ه ذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون * قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون * أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون * ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ) * يقول تعالى : * ( ولكل أمة ) * من الأمم الماضية * ( رسول ) * يدعوهم إلى توحيد الله ودينه . * ( فإذا جاء ) * هم * ( رسولهم ) * بالآيات ، صدقه بعضهم ، وكذبه آخرون ، فيقضي الله بينهم بالقسط ، بنجاة المؤمنين ، وإهلاك المكذبين * ( وهم لا يظلمون ) * بأن يعذبوا قبل إرسال الرسول ، وبيان الحجة ، أو يعذبوا بغير جرمهم . فليحذر المكذبون لك ، من مشابهة الأمم المهلكين ، فيحل بهم ، ما حل بأولئك . ولا يستبطئوا العقوبة ويقولوا : * ( متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) * ، فإن هذا ظلم منهم ، حيث طلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه ليس له من الأمر شيء ، وإنما عليه البلاغ والبيان للناس .
