يفترون ) * يقول تعالى : * ( ويوم نحشرهم جميعا ) * أي : نجمع جميع الخلائق ، لميعاد يوم معلوم ، ونحضر المشركين ، وما كانوا يعبدون من دون الله . * ( ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم ) * أي : الزموا مكانكم ليقع التحاكم والفصل بينكم وبينهم . * ( فزيلنا بينهم ) * أي : فرقنا بينهم ، بالبعد البدني والقلبي ، فحصلت بينهم العداوة الشديدة ، بعد أن بذلوا لهم في الدنيا ، خالص المحبة ، وصفو الوداد ، فانقلبت تلك المحبة والولاية ، بغضا وعداوة . * ( وقال شركاؤهم ) * متبرئين منهم : * ( ما كنتم إيانا تعبدون ) * فإننا ننزه الله أن يكون له شريك ، أو نديد . * ( فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) * ، ما أمرناكم بها ، ولا دعوناكم لذلك ، وإنما عبدتم من دعاكم إلى ذلك ، وهو الشيطان ، كما قال تعالى : * ( ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين ) * ( وقال ) * ( ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) * . فالملائكة الكرام ، والأنبياء ، والأولياء ونحوهم : يتبرأون ممن عبدهم يوم القيامة ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم وهم الصادقون البارون في ذلك . فحينئذ يتحسر المشركون حسرة ، لا يمكن وصفها ، ويعلمون مقدار ما قدموا من الأعمال ، وما أسلفوا من رديء الخصال ، ويتبين لهم يومئذ أنهم كانوا كاذبين ، وأنهم مفترون على الله ، قد ضلت عبادتهم ، واضمحلت معبوداتهم ، وتقطعت بهم الأسباب والوسائل . ولهذا قال : * ( هنالك ) * أي : في ذلك اليوم * ( تبلو كل نفس ما أسلفت ) * أي : تتفقد أعمالها وكسبها ، وتتبعه بالجزاء ، وتجازى بحسبه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . * ( وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون ) * من قولهم بصحة ما هم عليه من الشرك ، وأن ما يعبدون من دون الله ، تنفعهم وتدفع عنهم العذاب . * ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) * أي : قل لهؤلاء الذين أشركوا بالله ، ما لم ينزل به سلطانا محتجا عليهم بما أقروا به ، من توحيد الربوبية ، على ما أنكروه من توحيد الألوهية * ( قل من يرزقكم من السماء والأرض ) * بإنزال الأرزاق من السماء ، وإخراج أنواعها من الأرض ، وتيسير أسبابها فيها ؟ * ( أم من يملك السمع والأبصار ) * أي : من هو الذي خلقهما وهو مالكهما ؟ وخصهما بالذكر ، من باب التنبيه على المفضول بالفاضل ، ولكمال شرفهما ونفعهما . * ( ومن يخرج الحي من الميت ) * كإخراج أنواع الأشجار والنبات من الحبوب والنوى ، وإخراج المؤمن من الكافر ، والطائر من البيضة ، ونحو ذلك . * ( ويخرج الميت من الحي ) * عكس هذه المذكورات . * ( ومن يدبر الأمر ) * في العالم العلوي والسفلي ، وهذا شامل لجميع أنواع التدابير الإلهية ، فإنك إذا سألتهم عن ذلك * ( فسيقولون الله ) * لأنهم يعترفون بجميع ذلك ، وأن الله لا شريك له في شيء من المذكورات . * ( فقل ) * لهم إلزاما بالحجة * ( أفلا تتقون ) * الله فتخلصون له العبادة ، وحده لا شريك له ، وتخلعون ما تعبدونه من دونه من الأنداد والأوثان . * ( فذلكم ) * الذي وصف نفسه بما وصفها به * ( الله ربكم ) * أي : المألوه المعبود المحمود ، المربي جميع الخلق بالنعم وهو : * ( الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ) * . فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء ، الذي ما بالعباد من نعمة ، إلا منه ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يدفع اليسئات إلا هو ، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام . * ( فأنى تصرفون ) * عن عبادة من هذا وصفه ، إلى عبادة الذي ليس له من وجوده إلا العدم ، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ، ولا حياة ولا نشورا . فليس له من الملك مثقال ذرة ، ولا شركة له بوجه من الوجوه ، ولا يشفع عند الله إلا بإذنه . فتبا لمن أشرك به ، وويحا لمن كفر به ، لقد عدموا عقولهم بعد أن عدموا أديانهم ، بل فقدوا دنياهم وأخراهم . ولهذا قال تعالى عنهم : * ( كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) * بعد أن أراهم الله من الآيات البينات والبراهين النيرات ما فيه عبرة لأولي الألباب ، وموعظة للمتقين وهدى للعالمين .
