جعل منهم هداة يهدون بأمره . وكان الإتيان بهذه الآية الكريمة ، فيه نوع احتراز مما تقدم ، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل ، المنافية للكمال المناقضة للهداية ، فربما توهم متوهم ، أن هذا يعم جميعهم ، فذكر تعالى ، أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية . * ( وقطعناهم ) * أي : قسمناهم * ( اثنتي عشرة أسباطا أمما ) * أي : اثنتي عشرة قبيلة ، متعارفة ، متوالفة ، كل بني رجل من أولاد يعقوب ، قبيلة . * ( وأوحينا إلى موسى إذا استسقاه قومه ) * أي : طلبوا منه أن يدعو الله تعالى ، أن يسقيهم ما يشربون منه ، وتشرب منه مواشيهم ، وذلك لأنهم والله أعلم في محل قليل الماء . فأوحى الله لموسى ، إجابة لطلبهم * ( أن اضرب بعصاك الحجر ) * يحتمل أنه حجر معين ، ويحتمل أنه اسم جنس ، يشمل أي حجر كان ، فضربه * ( فانبجست ) * أي : انفجرت من ذلك الحجر * ( اثنتا عشرة عينا ) * جارية سارحة . * ( قد علم كل أناس مشربهم ) * أي : قد قسم على كل قبيلة من تلك القبائل الاثنتي عشرة ، وجعل لكم منهم عينا ، فعلموها ، واطمأنوا ، واستراحوا من التعب والمزاحمة ، وهذا من تمام نعمة الله عليهم . * ( وظللنا عليهم الغمام ) * فكان يسترهم من حر الشمس ، * ( وأنزلنا عليهم المن ) * وهو الحلوى ، * ( والسلوى ) * وهو لحم طير ، من أحسن أنواع الطيور ، وألذها ، فجمع الله لهم ، بين الظلال ، والشراب ، والطعام الطيب ، من الحلوى واللحوم ، على وجه الراحة والطمأنينة . وقيل لهم : * ( كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ) * حين لم يشكروا الله ، ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم . * ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) * حيث فوتوها كل خير ، وعرضوها للشر والنقمة ، وهذا كان مدة لبثهم في التيه . * ( وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية ) * أي : ادخلوها لتكون وطنا لكم ومسكنا ، وهي ( إيلياء ) * ( وكلوا منها حيث شئتم ) * أي : قرية كانت كثيرة الأشجار ، غزيرة الثمار ، رغيدة العيش ، فلذلك أمرهم الله أن يأكلوا منها حيث شاؤوا . * ( وقولوا ) * حين تدخلون الباب : * ( حطة ) * أي : احطط عنا خطايانا ، واعف عنا . * ( وادخلوا الباب سجدا ) * أي : خاضعين لربكم ، مستكينين لعزته ، شاكرني لنعمته ، فأمرهم بالخضوع ، وسؤال المغفرة ، ووعدهم على ذلك ، مغفرة ذنوبهم والثواب العاجل والآجل فقال : * ( نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين ) * من خير الدنيا والآخرة ، فلم يمتثلوا هذا الأمر الإلهي ، بل خالفوا . * ( فبدل الذين ظلموا منهم ) * أي : عصوا الله واستهانوا بأمره * ( قولا غير الذي قيل لهم ) * فقالوا ، بدل طلب المغفرة ، وقولهم : * ( حطة ) * ، ( حبة في شعيرة ) ، وإذا بدلوا القول مع يسره وسهولته فتبديلهم للفعل من باب أولى ، ولهذا دخلوا يزحفون على أستاههم . * ( فأرسلنا عليهم ) * حين خالفوا أمر الله وعصوه * ( رجزا من السماء ) * أي : عذابا شديدا ، إما الطاعون وإما غيره ، من العقوبات السماوية . وما ظلمهم الله بعقابه ، وإنما كان ذلك * ( بما كانوا يظلمون ) * . * ( واسألهم ) * أي : اسأل بني إسرائيل * ( عن القرية التي كانت حاضرة البحر ) * أي : على ساحله ، في حال تعديهم وعقاب الله إياهم . * ( إذ يعدون في السبت ) * وكان الله تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا ، فابتلاهم الله ، وامتحهنم ، فكانت * ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ) * أي كثيرة طافية على وجه البحر . * ( ويوم لا يسبتون ) * أي : إذا ذهب يوم السبت * ( لا تأتيهم ) * أي : تذهب في البحر ، فلا يرون منها شيئا * ( كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) * ، ففسقهم ، هو الذي أوجب أن يبتليهم الله ، وأن تكون لهم هذه المحنة ، وإلا ، فلو لم يفسقوا ، لعافاهم الله ، ولما عرضهم للبلاء والشر ، فتحيلوا على الصيد ، فكانوا يحفرون لها حفرا ، وينصبون لها الشباك ، فإذا جاءت يوم السبت ، ووقعت في تلك الحفر والشباك ، لم يأخذوها في ذلك اليوم ، فإذا جاء يوم الأحد ، أخذوها ، وكثر فيهم ذلك ، وانقسموا ثلاث فرق . معظمهم ، اعتدوا وتجرؤوا ، وأعلنوا بذلك . وفرقة أعلنت بنهيهم ، والإنكار عليهم . وفرقة اكتفت بإنكار أولئك عليهم ، ونهيهم لهم وقالوا : * ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) * ، كأنهم يقولون : لا فائدة في
