نام کتاب : التفسير الحديث نویسنده : محمد عزة دروزة جلد : 1 صفحه : 488
أو تحديد لما جاء في الآية [ 37 ] من تقرير المشيئة للناس إطلاقا . ولقد قال بعض العلماء والمفسرين إن هذه الآية وما في بابها مثل آية سورة الإنسان هذه : وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه بسبيل تقرير أن الناس إنما يشاؤن بقوة المشيئة التي خلقها اللَّه فيهم . وقال آخرون إن إناطة مشيئة الناس بمشيئة اللَّه تعالى السابقة على مشيئتهم تعني مفهومها الظاهر إطلاقا فلا يشاؤن إلَّا ما شاء اللَّه [1] . وقد كانت هذه الآية وما يماثلها مدار جدل بين علماء المذاهب الكلامية بسبب ما يبدو من التعارض بينها وبين الآيات الأخرى التي تقرر قابلية الاختيار والمشيئة في الناس إطلاقا . ونقول أولا إن النظم القرآني جرى أحيانا على نسبة كل شيء من أفعال العباد الواقعة أو المتوقعة إلى اللَّه تعالى وعلى جعل كل شيء منها منوطا بمشيئته مع قيام قرائن في الآيات نفسها أو في غيرها على أنها من كسب العباد ومشيئتهم المباشرة فيما يترافق معها أو يترتب عليها من تثريب وتنديد ووعيد لما يكون ضلالات وانحرافات وتنويه ووعد جميل لما يكون استقامة وحقا وهدى . غير أنه جرى أيضا وفي الأعم الأغلب على نسبة الأفعال والمشيئة إلى العباد مما هو مثبوت في مختلف السور بكثرة تغني عن التمثيل بحيث يسوغ القول إن الأسلوب الأول ينبغي أن يؤول على ضوء ما فيه وما في القرآن من قرائن ولا يصح أن يوقف عند كل عبارة لحدتها لأن في ذلك تعريضا للقرآن للتعارض والاختلاف مما يجب تنزيهه عن ذلك ولا سيما إن في القرآن حلا لما يبدو من توهم في ذلك على ما شرحناه في سياق جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّه مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ 31 ] وإن القول إن الناس يشاؤون بقوة المشيئة التي أودعها اللَّه فيهم هو المتسق مع تقرير المشيئة للعباد وتقرير قابلية الاختيار والكسب فيهم مما انطوى في الآيات السابقة وآيات كثيرة أخرى وهو المتسق مع روح الآية نفسها التي جاءت بعد الآية التي تقرر المشيئة للناس مباشرة . ثم هو المتسق مع حكمة إرسال الرسل ويوم الجزاء الذي يوفى فيه
[1] انظر تفسيرها في تفسير أبي السعود والنيسابوري .
488
نام کتاب : التفسير الحديث نویسنده : محمد عزة دروزة جلد : 1 صفحه : 488