نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 55
مؤلفة من ثمانية آلاف فارس بقيادة أسد الدين شير كوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين . وكان الفرنج في خلال ذلك قد فكوا الحصار عن القاهرة وعادوا من حيث أتوا ، فلم تلق الحملة القادمة حربا ثم تسلسلت الأحداث فتولى أسد الدين الوزارة للعاضد وساد أمره وأمر ابن أخيه صلاح الدين ولكنه لم يلبث في الوزارة إلا شهرين وخمسة أيام ثم توفي فجاة . وتطلع إلى منصب الوزارة بضعة رجال من قواد الجيش الذي قدم مع أسد الدين وكان التزاحم بينهم شديدا ، ولكن العاضد آثر عليهم جميعا صلاح الدين . يقول صاحب كتاب الروضتين : فأرسل الخليفة العاضد إلى صلاح الدين فأمره بالحضور في قصره ليخلع عليه الوزارة ويوليه بعد عمه . وقد صرح ابن شداد [1] في كتاب النوادر السلطانية أن صلاح الدين كان منهمكا بالشهوات عاكفا على الخمر . وقد ذكر عبارته هكذا : وشكر نعمة الله فتاب عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو أي فعل ذلك بعد تولية الوزارة . وكذلك قال كمال الدين ابن العديم في كتابه زبدة الحلب في تاريخ حلب ( الجزء الثاني ) : فأرسل العاضد إلى صلاح الدين وأحضره عنده وولاه الوزارة بعد عمه وخلع عليه ولقبه بالملك الناصر فاستتبت أحواله وبذل المال وتاب عن شرب الخمر . وإذا كان أنصار صلاح الدين قد اعترفوا بأنه كان سكيرا قبل تولية الوزارة ، فالله وحده يعلم ما إذا كان قد تاب أم لا ، فالذي يبدو أنه كان متجاهرا بالسكر قبل تولية الوزارة ثم صار يتستر بعد ذلك . [2] على أن أسد الدين ومن بعده صلاح الدين كانا مع توليهما الوزارة يعتبران تابعين لنور الدين يقول ابن أبي شامة : وثبت قدم صلاح الدين ورسخ ملكه وهو نائب الملك العادل نور الدين والخطبة لنور الدين في البلاد كلها . ولما أرسل نور الدين اخوة صلاح الدين إليه إلى مصر وفيهم توران شاه وهو أكبر من صلاح الدين . قال له نور الدين : ان كنت تسير إلى مصر وتنظر أخيك أنه يوسف الذي كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد فلا تسر فانك تفسد البلاد واحضر حينئذ وأعاقبك بما تستحقه ، وإن كنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامي وتخدمه بنفسك كما تخدمني فسر إليه واشدد من أزره [3] وهذا يدل على شدة عناية نور الدين بتثبيت أمر صلاح الدين . وفي المنشور الذي أرسله الخليفة العاضد إلى صلاح الدين يقول العاضد فيما يقول : وظهور الخيل مواطنك وظلال الخيام مساكنك ، وفي ظلمات الليل قساطل الجهاد تجلى محاسنك وفي أعقاب نوازله تتلى مناقبك فشمر له عن ساق من القنا وخض فيه بحرا من الظبا وأحلل في عقد كلمة الله وثيقات الحبا ، وأسل الوهاد بدم العدا . وارفع برؤسهم الربا ، حتى ياتي الله بالفتح الذي يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيامك . . . [4] وهذا يدل على أن العاضد لم يستكن إلى الدعة بعد رحيل الفرنج : بل كان يأمل أن يغزوهم في الأرض المحتلة ، وانه كان يعد صلاح الدين لهذه المهمة ، وان قتال الفرنج وتخليص البلاد من حكمهم كان الهدف الوحيد للعاضد ، وأنه في سبيل ذلك لم يبال بان يولي حتى خصومه حكم البلاد ويعهد إليهم بمعونته على الدفاع عنها ، بالرغم من أن ماضي هؤلاء الخصوم كان معروفا ، وحقدهم على من يخالفهم في الرأي كان صريحا ، فان ما فعله نور الدين في حلب كان معروفا مشهورا وكان العاضد يعلمه حق العلم بالرغم من ذلك تغلبت وطنية العاضد على عصبيته ، وحرصه على دينه فاق حرصه على مذهبه ، فضرب بذلك أعلى الأمثال لكل الحكام . وقد كان يجب أن يكون هذا الموقف شافعا له عند من سلمهم البلاد ، ولكن لم يشفع له عندهم شيء . يقول العماد الأصفهاني عن منشور الخليفة العاضد هذا : « وهذا آخر منشور طويت به تلك الدولة وختمت ، وتبددت عقودها وما انتظمت » . وبدلا من ان يكبر العماد هذا المنشور كل الإكبار ويثني عليه كل الثناء لما احتواه من حمية اسلامية وغيرة وطنية ، ولما يدل على ما انطوت عليه نفس العاضد من إخلاص وتفان في سبيل الإسلام . وبدلا من ان يثير هذا المنشور مدح العماد للعاضد اثار شماتته وهكذا يكون اللؤم في ابشع صوره وأنكر أشكاله . لا لؤم العماد وحده ، بل لؤم من عاصرهم ومن اتى بعدهم حتى اليوم . ان منشور العاضد هذا صفحة من أنضر صفحات تاريخنا ، كان يجب أن تلقن للناشئة في كل عصر لتتعلم منها الإخلاص والتفاني في حب الأوطان كذلك إرسال العاضد شعور نسائه مستنجدا مضحيا . ولكن . . . ولا نقول أكثر من ( ولكن ) ونقول للعماد الاصفهاني : انه ليشرف الدولة الفاطمية أن يكون هذا آخر منشور لها . وما قاله العاضد لصلاح الدين في منشوره كان قد قال مثله لعمه أسد الدين شير كوه حين ولاه الوزارة قبل صلاح الدين ، فقد قال العاضد مخاطبا أسد الدين : . . . واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق ، وقم في الله تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق . ثم يقول : فاطلب أعداء الله برا وبحرا وأجلب عليهم سهلا ووعرا وقسم بينهم الفتكات قتلا واسرا وغارة وحصرا . ثم يقول : والله سبحانه وتعالى يحقق لأمير المؤمنين فيك أفضل المخايل ويفتح على يديك مستغلق البلاد والمعاقل ويصيب بها لك من الأعداء النحور والمقاتل ويأخذ للإسلام بك ما له عند الشرك من الثارات والطوائل . وللتدليل على ما أولى العاضد من ثقته وتشجيعه وتعضيده لصلاح الدين ننقل عبارة يحيى ابن أبي طي الحلبي في كتابه الذي ألفه في سيرة صلاح الدين ، قال : أقبل العاضد على السلطان الملك الناصر [5] وأحبه محبة عظيمة ، وبلغ من محبته له أنه كان يدخل إليه القصر راكبا فإذا حصل عنده أقام معه في قصره اليوم والعشرة لا يعلم أين مقره . وقال أيضا : . . . « ولما استولى الملك الناصر على الوزارة ومال إليه العاضد ، وحكمه في ماله وبلاده حسده من كان معه بالديار المصرية من الأمراء الشامية » ، ثم أنهم فارقوه وصاروا إلى الشام .
[1] ابن شداد من المؤلفين الذين كتبوا للاشادة بصلاح الدين . [2] كذلك ذكر أبو الفداء في تاريخه عكوف صلاح الدين على الخمر ثم توبته . [3] الروضتين ج 2 ص 408 . [4] نفس المصدر . [5] اي صلاح الدين الذي لقب بهذه الألقاب .
55
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 55