نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 224
كما ان الحياة تفقد معناها إن لم يحقق الإنسان ذاته ويصنع مشروعه : < شعر > فما الحياة ، وإن طالت ، بصالحة لمن يعد متاعا بائرا سقطا ما خطه العجز والأرزاق معرضة إلا لمن نام تحت الذل أو قنطا < / شعر > ويدرك مهيار أن تحقيق الذات وصنع مجدها يتطلبان صراعا مع الدهر يقتضي مخاتلته واقتناص الفرص منه فنسمعه يقول : < شعر > لا تفرط جلوسا بانتظار غد خاتل يد الدهر وانصل غيله أبدا < / شعر > 4 - في دروب الحياة : وجه يوقد الهم تحته ويكون صراع مهيار مع الدهر صراعا مريرا ، تتكون لديه آمال ويسعى حادا إلى تحقيقها ظانا أن إخوانه يساعدونه ، ثم يذهب هذا كله هباء وتتكرر الخيبة ، فيعبر مهيار عن هذا الصراع ونتائجه : < شعر > كم يوعد الدهر آمالي ويخلفها أخا أسر به ، والدهر عرقوب < / شعر > وتتكرر ذنوب الأيام ، فيعجب ويرجو بحسرة أن يحيا أياما تعد ذنوبها وليست الذنوب ذنوب الأيام فحسب وإنما هي ذنوب الناس أيضا ، الذين غدوا صخورا لا تلين ، وقد نلتفت إلى نظرة مهيار التي رأت تحول الإنسان الذي فقد جوهره أو إنسانيته ، إنه لم يعد إنسانا وإنما صخرة : < شعر > يقولون دار الناس ترطب أكفهم ومن ذا يداري صخرة ويذيبها < / شعر > والحق ان مهيار ما كان غافلا عن حقيقة الزمان والناس وطبيعة العلاقات الاجتماعية ، كان يدرك هذا كله تمام الإدراك : < شعر > وما أطمعتني أوجه بابتسامها فيؤيسني مما لديها قطوبها < / شعر > وكان يدرك أيضا سبل الوصول ووسائل نيل المطالب في ظل المجتمع الذي يعيش فيه : < شعر > وفي الأرض أوراق الغنى لو جذبتها لرف على أيدي النوال رطيبها < / شعر > ولكن هذه السبل ليست سبله كما أنه لا يرضى اتباع تلك الوسائل إن في المرعى لأوراقا خضراء يانعة ولعشبا طريا ولكلأ خصيبا شهيا ولكن ما نفع هذا كله إن كانت الإبل الجائعة تانف من هذا كله وتمجه إن مهيار الديلمي يرفض سبلا تحقق الذات ويرتضي سبلا أخرى وشتان ما بين دربي الوصول إلى « مرمى العز » ، ولنسمعه يشير إلى هذا في صورة حسية مقتلعة من الواقع ، وكأنها تضع الحقيقة أمامك مصورة فتراها وتلمسها : < شعر > إذا إبلي أمست تماطل رعيها فهل ينفعني من بلاد خصيبها < / شعر > يسعى مهيار إلى المجد ، ويجد في سبيل ذلك مصارعا الدهر ، ويعي سبل الوصول ولكنه بدلا من أن يمتطي مطايا الركب يشكو الزمان والناس . فلم الشكوى ؟ ولما ذا لا يحقق ما يصبو إليه وبخاصة أنه يرى الحياة القانعة من دون قيمة ؟ ليس من شك في أن هذا السؤال الذي تثيره قراءتنا لتجربة مهيار مع الدهر سؤال كبير ، وهو لا يخص مهيار وحده ، وإنما يعني الإنسان في كل زمان ومكان ، إذ انه يثير مشكلة الإنسان وسلوكه في هذه الحياة سواء أكان ذلك من حيث طبيعة هذا السلوك أم من حيث أهدافه وسبل تحقيق هذه الأهداف وتعارض ذلك أو توافقه مع التوجه العام وحقوق الآخرين . يسمي مهيار ما يصل إليه الناس من مناصب وغنى « حظوظا » ، وهو يعرف الطرق إلى هذه الحظوظ ، ولكنه يرفض أن يسلكها ، والأمثلة التي تؤكد هذا كثيرة نذكر منها : < شعر > - ويا نيل الحظوظ ، أما إليها بغير مذلة منها طريق - فلو قنن الجبال زحفن جنبي وقعن أخف من منن الرجال - فما تراني أبواب الملوك مع الزحام فيها على الأموال والرتب - وعابوا على هجز المطامع عفتي وللهجر خير حين يزري بك الوصل < / شعر > ويبدو مهيار ، في موقفه هذا ، منسجما مع نفسه ، فيناقشه مع فتاته وفق مبادئ أساسية ينطلق منها في سلوكه ، تلومه فتاته فيجيب : < شعر > وقد كنت ذا مال مع الليل سارح علي ، لو أن المال بالفضل يكسب ولكنه بالعرض يشرى خياره وينمي على قدر السؤال ويخصب وما ماء وجهي لي إذا ما تركته يراق على ذل الطلاب وينضب < / شعر > في ما قرأناه كشف لواقع ورفض له وأنفة عن الانخراط في جموعه وعن الوقوع في شباكه ، ويندرج هذا الموقف في إطار رؤية شاملة تنظر إلى الإنسان بوصفه سيد المخلوقات ، وقد خلق حرا يجهد لتحقيق غاية كبرى ، وهذا كله ليس ملكه وليس من حقه أن يفرط فيه ويريقه في غير ما خلق له ينطلق مهيار إذا في دروب المجد من مفهوم سر الخلق ومن ان الله كرم الإنسان وعلى الإنسان أن يحافظ على ما أودع الله فيه ، وانطلاقا من هذا المفهوم يبقى ظمانا ، يعرف دروب الري ، ويرفض سلوكها لأن المذلة فيها والمذلة أشد حرارة وأقسى ولنقرأ هذا البيت ولنلاحظ الصورة فيه والتلاعب بالأضداد وفي هذا إضاءات وإيجاءات تسكن الحالة في القلب حارة الطلوع من تنور المعاناة : < شعر > أظمى ، وريي في السؤال ، ولا يفي حر المذلة لي ببرد الماء < / شعر > ويدرك مهيار نتائج موقفه ، ويلمس الواقع الذي توصله إليه خياراته ولكن لا يابه لهذا ، إذ ان له مقاييس تختلف عن مقاييس الآخرين ، فليس مهما ما يجري في الخارج ، فالمهم ما يجري في داخل الذات الإنسانية ، المهم أن يبقى الجوهر صافيا وأن يبقى الهم دافعا ومؤرقا : < شعر > وإن هوى بي أو حطني حمق الحظ ، فهمي يسمو ويرتفع ، . . . نفسي أحجى من أن تحلم بالوعظ ، وقلبي بالمجد مضطلع ، < / شعر > والواضح أن مهيار يعي أن معركته المريرة مع الدهر طويلة ، وأن سبله شاقة ، فيختار الصبر الذي يكشف ويحرض ويدل على الصواب : < شعر > - لله قلب حسن صبره ما سئل الذلة إلا أبى - شفى الله نفسا لا تذل لمطلب وصبرا متى يسمع به الدهر يعجب وصدرا إذا ضاقت صدور رحيبة لخطب تلقاه بأهل ومرحب < / شعر > ولا يكون صبر مهيار العجيب مسالمة للدهر وركونا لأحداثه وناسه ، وإنما هو نوع من لتعرف « جريح زمانه » إلى سبل مداواة قروحه والانتصار عليها < شعر > سالمت دهري قبل أعلم أنه فيمن يهادنه السلامة طامع فالآن أصميه بسهم ما له في قلبه إلا المنية نازع < / شعر >
224
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 224