responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 1  صفحه : 56


ولم يترك العاضد وسيلة تشيد بصلاح الدين وترفع من شانه وتزيد في تكريمه إلا اتبعها من ذلك أنه لما ارتحل نجم الدين أيوب والد صلاح الدين إلى مصر بأهله وجماعته ، وسار إلى القاهرة ركب العاضد بنفسه لاستقباله والترحيب به ، وخالف بذلك قواعد ( البروتوكول ) كما نقول باصطلاحنا اليوم ، إذ لم تجر العادة بذلك .
ويقول ابن أبي طي : وخلع العاضد عليه ولقبه الملك الأفضل وحمل إليه من القصر الألطاف والتحف والهدايا .
ثم تبين بعد ذلك أن نجم الدين أيوب إنما قدم مصر ليحكم مع ولده صلاح الدين أمر القضاء على العاضد ودولته .
العقوق ولم يطل الأمر وبعد انقضاء سنتين على وصول أسد الدين شير كوه وصلاح الدين إلى مصر ، أي سنة 566 كان صلاح الدين يكافئ العاضد على استنجاده بالمسلمين لحماية الإسلام وبلاد الإسلام ، كان يكافئه بالتامر عليه وعلى دولته ، وكان يقابل الثقة الكبرى التي منحه إياها العاضد بإطلاق يده في شئون الحكم ، كان يقابلها بالعمل على تحطيم أمر العاضد وتوهين حكمه ، فأمر أول ما أمر بتغيير شعار الدولة الفاطمية . وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس على حد تعبير صاحب ( الروضتين ) .
ولم تدخل سنة 567 حتى « استفتحها صلاح الدين باقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس » [1] وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة نفسها . فعل ذلك والخليفة لا يزال حيا .
ومما يجدر تسجيله أنهم لم يجدوا عربيا واحدا يحمل هذا الوزر ، فقد أحجم العرب جميعا أن يطعنوا الدولة العربية الصميمية التي كان تاريخها كله حماية للعرب ودفاعا عنهم ، وعن لغتهم وعلومهم وثقافتهم ، أحجم العرب عن أن يطعنوا الدولة العربية هذه الطعنة الغادرة . ويقول ابن أبي شامة : . . . وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالمير العالم ، فلما رأى ما هم فيه من الاحجام قال : أنا ابتدئ بها ، فلما كان أول جمعة من المحرم صعد قبل الخطيب ودعا للمستضيء بامر الله . . . [2] وأقدم صلاح الدين بعد وفاة العاضد على عمل لم يسبقه إليه أحد ، ولم تشهد له مثيلا أشد العصور طغيانا وهمجية وظلما ، « فقد احتجز جميع رجال الأسرة الفاطمية في مكان ، واحتجز جميع نسائها في مكان آخر . ومنع الفريقين من الزواج لئلا يتناسلوا . ويقول العماد الأصفهاني : وهم إلى الآن محصورون محسرون لم يظهروا » . ثم أعمل النهب والسلب في دورهم وقصورهم .
وقد تبجح بهذه الأعمال شعراء صلاح الدين فقال العماد الأصفهاني من قصيدة بذيئة طويلة :
< شعر > عاد حريم الأعداء منتهك الحمى وفيء الطغاة مقتسما < / شعر > والأعداء الذين يتباهى هذا الشاعر بانتهاك حريمهم هم الذين استنجدوا بصلاح الدين على الإفرنج ، فكانوا عند صلاح الدين وشعرائه الأعداء الذين يرتكب فيهم هذا الاجرام ويقال فيهم هذا القول . . . وإنسانية صلاح الدين المدعاة له في معاملته للأفرنج لم تشمل أبناء قومه ودينه . ولم يكن الشعراء وحدهم البذيئين الجحودين ، بل كان كذلك كتاب صلاح الدين ، فقال كاتبه القاضي الفاضل من كتاب أرسله إلى بغداد :
« . . . والمذلة في شيع الضلال شائعة ، ومزقوا كل ممزق ورغمت أنوفهم ومنابرهم وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا . . . على أن أفجع الفواجع كان ما لحق خزائن الكتب ونترك الكلام في وصفه لابن أبي طي قال : » ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب وكانت من عجائب الدنيا لأنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر ، ومن عجائبها : أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري ، ويقال أنها كانت تحتوي على مليونين وستمائة ألف كتاب [3] وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة .
وقد شتتوا هذه الكتب وأضاعوها فغدت هباء منثورا ، واتلفوا هذه الكنوز العلمية التي لم يجتمع مثلها لا قبلها ولا بعدها . ويقول العماد الأصفهاني في ذلك : « وفيها بالخطوط المنسوبة ما اختطفته الأيدي واقتط التعدي . وكانت كالميراث مع أمناء الأيتام يتصرف بها بشرة الانتهاب والالتهام . . . » .
والعماد هذا الذي رأينا بذاءته فيما تقدم من شعره لم يستطع أمام فاجعة العلم إلا أن يكون أكثر تحفظا .
وصاحب الروضتين أبدى من التشفي والبذاءة ما لم يقصر به عن كل من تحدث عن ذلك من قرنائه ومع ذلك فهو نفسه الذي تحدث عن استنجاد العاضد بنور الدين ، مما لم يستطع إنكاره ، كما لم يستطع إنكار غير ذلك مما يدل على أرفع مثال للوطنية والحمية الإسلامية والعربية التي كان عليها هؤلاء الذين شمت بهم ونبزهم بما نبزهم به وهو يتحدث عن انقراض دولتهم .
ومع أن نور الدين كان ولي نعمة صلاح الدين وسبب تملكه وتفوقه ، فقد بدأ صلاح الدين يتنكر له ويتنمر عليه ويرفض امداده بشيء من المال العظيم الذي استولى عليه ، وكان نور الدين في مسيس الحاجة للمال في قتاله للفرنج ، فأكتفي صلاح الدين بإرسال هدية بسيطة إليه .
ثم تظاهر بالتمرد عليه [4] وفعل صلاح الدين أفظع من ذلك ، فقد كان نور الدين عازما على الدخول في معارك فاصلة مع الإفرنج ومجاهدتهم مجاهدة حاسمة ، فأرسل يستحث صلاح الدين على أن يتقدم من ناحيته ، ولكن صلاح الدين كان لا يجيب . ونترك الكلام هنا للمؤرخ ابن الأثير : « وكان المانع لصلاح الدين من غزو الفرنج الخوف من نور الدين ، فإنه كان يعتقد أن نور الدين متى زال عن طريقه الفرنج أخذ البلاد منه فكان يحتمي بهم عليه ولا يؤثر استئصالهم ، وكان نور الدين لا يرى إلا الجد في غزوهم بجهده وطاقته ، فلما رأى إخلال صلاح الدين بالغزو وعلم غرضه تجهز بالمسير إليه ، فأتاه أمر الله الذي لا يرد » .



[1] المقصود هنا مدينة مصر ، اي الفسطاط وما يتبعها .
[2] الروضتين ج 2 ص 932 .
[3] العبارة ، ألفي ألف وستمائة ألف كتاب .
[4] وبعد موت نور الدين غدر صلاح الدين باسرته وقابل إحسان نور الدين إليه بالقضاء على أسرته .

56

نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 1  صفحه : 56
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست