responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 1  صفحه : 24


الدراسات الآتية :
قال حمود غرابة :
الإسلام والفلسفة السيناوية تختلف الأديان عن الفلسفة الأخلاقية في الوسيلة وإن اتحدت معها في الهدف . فالأنبياء والفلاسفة الأخلاقيون جميعا يهدفون إلى غرس بذور الفضيلة في نفوس البشر حتى يتهيأ المجتمع الصالح الذي يسعد بفضيلته ويهنأ بحياته .
ولكن الفلسفة تعتمد في ذلك على العقل والاقناع والأديان جميعها تعتمد في ذلك على العقيدة التي هي مزيج من الفكر والعاطفة .
هذه العقيدة لا بد لكمالها وفاعليتها من الايمان بحقائق ثلاث :
1 - اليقين بوجود إله خالق يعلم العالم ويعنى به وبيده أن يسعد الأخيار وأن يعاقب الأشرار .
2 - الجزم بحياة أخرى أسمى من هذه الحياة . حياة تتلاءم فيها السعادة مع الفضيلة وتتكافؤ فيها الآلام مع الآثام .
3 - التسليم بوجود ذلك الكائن البشري الذي يستطيع بعد اتصاله بعالم القدس أن يترجم عن إرادة السماء . فهل تشتمل الفلسفة السيناوية على الايمان بهذه الحقائق السامية ؟ وهل بذل ابن سينا من عقله ومنطقه ما يؤيد تلك الدعامات الثلاث التي لا بد منها لصحة الأديان وقداسة النبوة وجلال الرسالة ؟ .
لست الآن بصدد الحديث عن منهج ابن سينا في إثبات ذلك كما أنني لست بصدد الكشف عن قوة براهينه أو ضعفها فقد حاولت ذلك كله في كتابي ( ابن سينا بين الدين والفلسفة ) الذي أرجو أن يكون قد وصل الآن إلى أيديكم ولكني أسجل هنا فقط ما آمن به الرجل من حقائق وما وصل إليه من نتائج عاش ومات وهو يقوم بتاييدها والعمل على إقرارها .
1 - يعتقد ابن سينا - كما يبدو ذلك واضحا في فلسفته - بوجود إله واحد له الملك والجود ويسمو بحقيقته عن كل موجود . كله حق وكله خير . منزه عن النقص وبعيد عن الشر . جدير بالحب والعشق والإجلال لأنه على أسمى ما يكون الجمال والجلال . مصدر الخير ومبعث الرحمات وهو وحده الدليل على غيره من الكائنات . إلى غير ذلك من الصفات التي يقصر دونها وصف المتكلمين وتترك وقدة الحب والشوق في قلوب السالكين .
وكيف يمكن في رأيه إسناد وجود الأشياء إلى الأشياء نفسها على ما فيها من نظام وغائية لا يمكن أن تكون نتيجة الاتفاق والمصادفة ؟ وكيف ننكر - كما فعل أرسطو - القول بالخالقية ونقصر العلاقة بين الله والعالم على العشق والجاذبية مع أن تعدد العالم وتغيره ناطق وإمكانه ناطق باحتياجه إلى مبدأ وعلته ؟ . وكيف نسلم مع أرسطو الذي يقرر في » كلام عامي جدا « إن الله لا يعلم العالم وبالضرورة لا يعنى به وخصائص الله من اللطف والتجرد تقتضي هذه المعرفة بل وتقتضي عنايته . لأن العناية معناها العلم بالكل على حسب النظام الأكمل علما يترتب عليه صدور الكائنات عنه على أكمل ما يرجي منها وما قدر لها . فكل شيء قد أخذ مكانه في سجل الوجود وكل كائن قد ساهم في إبداع لحن الخلود .
وليس في هذا الوجود على رأيه شرور وكيف يمكن أن يلحق الشر صنعة الخالق المنزه عن العيوب . فما يخيل للإنسان أنه شر لا شر فيه بحسب حقيقته وإنما يعرض له الشر من ظروفه وبيئته . فسبحان الخالق الذي شمل برحمته جميع الكائنات وأفاض الجمال والحب على سائر الكائنات . فاي إيمان بالخالق أعمق أو أجمل من إيمان ابن سينا به ؟ .
2 - وابن سينا في سبيل تحقيق أهداف الدين يخاطب الإنسان بلغة الإنسان فيلفته في قوة إلى ما في حياة الفكر والفضيلة من سعادة وروعة منددا بحياة الشهوة وما فيها من انحطاط وضعة ومتخذا من تجارب الإنسان نفسه دليله على ذلك فيخاطبه بقوله : إنك إذا تاملت عويصا يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الطرفين استخففت بالشهوة إن كنت كريم النفس وكيف لا تستخف بالشهوة ومكانك في سلم الوجود وسط بين عالم الظلمة وعالم النور وحياة الشهوة تهبط بك إلى هذا الوجود الأدنى وحياة الفكر والفضيلة ترتفع بك إلى المقام الأعلى فاي المقامين أجدر بك يا خليفة الخالق في الأرض ؟ قد تظن أن حياة الشهوة تجلب لك من اللذة مقدارا أكبر مما تجلبه حياة الفكر والفضيلة وهذا وهم قاتل وسراب خداع فاللذة في حقيقتها هي إدراك كمال خيري للمدرك فإذا كان الإدراك أكمل والمدركات أكثر وأشمل كانت اللذة الناتجة عن ذلك بداهة أعظم وأبهج . والجوهر العاقل أمعن في معنى الإدراك من الحواس . والمدركات العقلية أعلى كيفا من المدركات الحسية بل وأكثر عددا . فكيف تعرض بعد ذلك عن حياة الفكر والفضيلة مع أن هذه الحياة الفاضلة العقلية بمقتضى هذا المنطق تحقق لك سعادة أوفر وأدوم . وليس ذلك فحسب فحياة الشهوة اشتهاء دائم .
والاشتهاء ألم لا يهدأ حتى يشبع . ووسيلة الشبع البدن والبدن يفنى بالموت وتبقى النفس التي تعودت على هذا النوع من الشهوة فكيف تحصلها وقد انعدمت وسيلتها من الأعضاء والآلات ؟ وكيف لا تطلب الكمالات العقلية التي تستمد وجودها من الجوهر العاقل فتسعد أبدا لبقاء مصدرها وهو النفس الخالدة . فأكثر الناس شقاء في الآخرة - عند ابن سينا - هم الجهلة الفساق الذي نبهوا إلى كمالاتهم من الحق والخير فأعرضوا وأشد الناس بهجة ونعيما هم العارفون المتنزهون الذين جمعوا بين كمال العلم والعمل . فطوبى لهم يوم أن يفتح لهم الحق صدره ويمد إليهم يده ويشملهم بالحب ويحوطهم بالرعاية ويسمح لهم بالجوار . فاي منطق في الدعوة إلى الخير أقوى من منطق ابن سينا وأي إيمان بالترابط بين نوع الحياة في الدنيا ونوعه في الآخرة أقوى من هذا الايمان ؟ .
3 - بقيت بعد ذلك الدعامة الثالثة للأديان وهي النبوة والايمان بالمعجزة وابن سينا في هذه المسألة بالذات استطاع أن يمنح الإسلام وغيره من الأديان ما يجعلها مقبولة لدى العقلاء والمفكرين . فهو يتساءل في وجه المنكرين لامكانية الاتصال بعالم السموات والاطلاع على المغيبات قائلا ما الذي يمنعكم من التصديق بإمكان ذلك مع أنه واقع فليس أحد من الناس إلا وقد جرب ذلك في نفسه تجارب ألهمته التصديق فكم من مرة يرى الإنسان في نومه ما سيكون منه أو ما سيكون له . وإذا كان لنا ونحن أناس عاديون أن ننتقش بهذه المعلومات ونحن في حالة النوم فما الذي يمنع النفوس الصافية أن تنتقش بذلك في حال اليقظة والنوم معا إذا كانت معرضة عن جانب الفناء إلى جانب البقاء ؟ . ويقول لهؤلاء المتشككين في المعجزة : وهل كشفت الطبيعة عن جميع أسرارها ؟ وإذا كان في الكون ما يعجز الإنسان عن تفسيره أو تعليله فلما ذا نتخذ من مخالفة المألوف دليلا على عدم الوقوع والاستحالة . أليس يمسك المريض عن الطعام زمنا لو أمسكه السليم لهلك ، أو ليس يستطيع الإنسان في حالة الغضب وسورة الانفعال أن ياتي بالغريب من الأفعال وإذا كان التفاوت بين الحالين والأثرين - أعني حالة

24

نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين    جلد : 1  صفحه : 24
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست