قال : فلما قتل البطريق قُص جناح ماهان ، فصاح بقومه وجمعهم إليه وقال لهم : إسمعوا يا أصحاب الملك وبلغوه عني ، أني ما تركت جهدي في نصرة هذا الدين وحاميت عن الملك وقاتلت عن نعمته ، وما أقدر أن أغالب رب السماء ، لأنه قد نصر العرب علينا وملكهم بلدنا . والآن مالي وجه أرجع به إلى الملك ، حتى أخرج إلى الحرب وأبرز إلى مقام الطعن والضرب ، وعزمت أن أسلم الصليب إلى أحدكم وأبرز إلى قتال المسلمين ، فإن قتلت فقد استرحت من العار ومن توبيخ الملك لي ، وإن رزقت النصر وأثرت في المسلمين أثراً ، ورجعت سالماً ، علم الملك أني لم أقصر عن نصرته . فقالوا : أيها الملك ، لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال قبلك ، فإذا قتلنا فافعل بعدنا ما شئت . قال : فحلف ماهان بالكنائس الأربع ، لا يبرز أحد قبله ! قال : فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته ، ثم إنه دعا بابن له فدفع إليه الصليب وقال : قف مكاني . وقُدم لماهان عِدة فأفرغت عليه . قال الواقدي : وبلغنا أن عدته التي خرج بها إلى الحرب تقومت بستين ألف دينار ، لأن جميعها كان مرصعاً بالجوهر . فلما عزم على الخروج تقدم له راهب من الرهبان فقال : أيها الملك ما أرى لك إلى البراز سبيلاً ، ولا أحبه لك . قال : ولمَ ذلك ؟ قال : لأني رأيت لك رؤيا فارجع ودع غيرك يبرز . فقال ماهان : لست أفعل والقتل أحب إلي من العار ! قال : فبخروه وودعوه ، وخرج ماهان إلى القتال ، وهو كأنه جبل ذهب يبرق ، وأقبل حتى وقف بين الصفين ودعا إلى البراز ، وخوف باسمه ، فكان أول من