فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا . قال : فأطرق مليّا وجعل يقلَّب يديه وينكت في الأرض ويقول : عبيدنا وأتباعنا دخلوا في ديننا وزال الملك عنا ! يردّده مرارا ثم قال : ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم عليكم وركبتم ما عنه نهيتم ، وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم اللَّه العزّ وألبسكم الذلّ بذنوبكم ، وللَّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها وأخاف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم ، وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزوّدوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي ، ففعلت ذلك . ولما افتتح المنصور الشام وقتل مروان قال لأبي عون ومن معه من أهل خراسان : إن لي في بقية آل مروان تدبيرا فتأهّبوا يوم كذا وكذا في أكمل عدّة ، ثم بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء ، فحضر منهم ثمانون رجلا فصاروا إلى بابه ومعهم رجل من كلب قد ولَّدهم [1] ثم أذن لهم فدخلوا ، فقال الآذن للكلبي : ممن أنت ؟ قال : من كلب وقد ولَّدتهم . قال : فانصرف ودع القوم . فأبى أن يفعل وقال : إني خالهم ومنهم . فلما استقرّ بهم المجلس خرج رسول المنصور وقال بأعلى صوته : أين حمزة بن عبد المطلب ؟ ليدخل ، فأيقن القوم بالهلكة ، ثم خرج الثانية فنادى : أين الحسن بن عليّ ؟ ليدخل ، ثم خرج الثالثة فنادى : أين زيد ابن عليّ بن الحسين ؟ ثم خرج الرابعة فقال : أين يحيى [2] بن زيد ؟ ثم قيل : إئذنوا لهم . فدخلوا وفيهم الغمر [3] بن يزيد وكان له صديقا فأومأ إليه : أن ارتفع . فأجلسه معه على طنفسته [4] وقال للباقين : اجلسوا . وأهل خراسان قيام
[1] ولَّدهم : ربّاهم . [2] هو يحيى بن زيد بن علي بن الحسين . [3] هو الغمر بن يزيد بن عبد الملك بن مروان . [4] الطَّنفسة : البساط والحصير من سعف عرضه ذراع ، فارسي معرّب والجمع طنافس .