عن الدنيا عزوفا ، ولا تقريبا إلا ازددت من العامة قربا . ولا يخرجك فرط النصح للسلطان عن النظر لرعيته ، ولا إيثار حقّه عن الأخذ لها بحقّها عنده ، ولا القيام بما هو له عن تضمّن ما عليه ، ولا تشغلك جلائل الأمور عن التفقّد لصغارها ، ولا الجذل بصلاحها واستقامتها عن استشعار الحذر وإمعان النظر في عواقبها » . وفي مدحه : دخل العماني الراجز على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخفّ [1] ساذج ، فقال له الرشيد : يا عماني ، إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور [2] وخفّان دمالقان [3] فبكَّر إليه من الغد وقد تزيّا بزيّ الأعراب ثم أنشده وقبّل يده وقال : يا أمير المؤمنين ، قد ، واللَّه ، أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبّلت يده وأخذت جائزته ثم يزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ثم السفّاح ثم المنصور ثم المهدي . كلّ هؤلاء رأيت وجوههم وقبّلت أيديهم وأخذت جوائزهم ، إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء والسادة والرؤساء ، واللَّه ما رأيت فيهم أبهى منظرا ولا أحسن وجها ولا أنعم كفّا ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين . فأعظم له الجائزة على شعره وأضعف له على كلامه وأقبل عليه فبسطه حتى تمنّى جميع من حضر أنه قام ذلك المقام . وفي المديح : كتب الفضل بن سهل إلى أخيه الحسن بن سهل فقال : « إن اللَّه قد جعل جدّك عاليا وجعلك في كل خير مقدما وإلى غاية كل فضل سابقا وصيّرك ، وإن نأت بك الدار ، من أمير المؤمنين وكرامته قريبا ، وقد جدّد
[1] خفّ ساذج : حذاء عتيق ، والخفّ : واحد الخفاف التي تلبس في الرّجل ، سمّي به لخفته ، وهو شرعا ما يستر الكعب وأمكن به السّفر أو المشي فرسخا فما فوق . [2] الكور : الدّور من العمامة ؛ يقال : كار العمامة على رأسه يكورها كورا : أدارها عليه . [3] مثنى دمالق ، وهو الأملس .