تكن له ولآبائه الراشدين عند من مضى لنا ومن غيرنا إلا ما ورد من صنوف كرامته وأياديه ولطيف ألفاظه ومخاطبته ، لكان في ذلك ما يحسّن الشكر ويستفرغ المجهود » . التلطف في مسألة العفو قال كسر ليوشت [1] المغنيّ وقد قتل فهلوذ [2] حين فاقه وكان تلميذه : « كنت أستريح منه إليك ومنك إليه فأذهب شطر تمتّعي حسدك ونغل صدرك » ثم أمر أن يلقى تحت أرجل الفيلة فقال : أيها الملك ، إذا قتلت أنا شطر طربك وأبطلته وقتلت أنت شطره الآخر وأبطلته ، أليس تكون جنايتك على طربك كجنايتي عليه ؟ قال كسرى : دعوه ، ما دلَّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من طول المدّة . وفي العفو أيضا : قال رجل للمنصور : « الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين باللَّه من أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين » . وفي العفو : جلس الحجاج يقتل أصحاب عبد الرحمن ، فقام إليه رجل منهم فقال : أيها الأمير ، إنّ لي عليك حقا . قال : وما حقك عليّ ؟ قال : سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عنك . قال : ومن يعلم ذاك ؟ فقال الرجل : أنشد اللَّه رجلا سمع ذاك إلا شهد به . فقام رجل من الأسرى فقال : قد كان ذاك أيها الأمير . فقال : خلَّوا عنه . ثم قال للشاهد : فما منعك أن تنكر كما أنكر ؟ قال : لقديم بغضي إياك . قال : ويخلَّى هذا لصدقه .
[1] ورد في كتاب الحيوان للجاحظ ( ج 7 ص 113 ) : « زيوشت » . [2] ورد في العقد الفريد ( ج 2 ص 182 ) : « الفهليذ » وقد ذكرت القصة باختلاف يسير عما هنا . وهذه القصة تقترب من قصة إسحاق الموصلي مع تلميذة زرياب الذي فرّ إلى الأندلس خوفا من غيظ أستاذه .