نام کتاب : المستطرف في كل فن مستظرف نویسنده : الأبشيهي جلد : 1 صفحه : 335
ولنجعل لهذا الباب من القضايا ختاماً هو أوجزها كلاماً وأحسنها نظاماً وأبينها حكماً وإحكاماً وهي قضية جمعت الأمرين : وفاءً وغدراً وعرفاً ونكراً وخيراً وشراً ونفعاً وضراً واشتملت على حال شخصين أحدهما وفى بعهده ففاز ونجا وحاز من مقترحات مناه ما أمك ورجا وغدر الآخر فلم يجد له من جزاء غدره إلى النجاة فرجا ولم يلق له من ضيق الغدر مخرجا . وهو ما ذكره عبد الله بن عبد الكريم وكان مطلعاً على أحوال أحمد بن طولون عارفاً بأموره عالما بوروعه وصدوره فقال : ما معناه إن أحمد بن طولون وجد عند سقايته طفلاً مطروحاً فالتقطه ورباه وسماه أحمد وشهره باليتيم فلما كبر ونشأ كان أكثر الناس ذكاء وفطنة وأحسنهم زياً وصورة فصار يرعاه ويعلمه حتى تهذب وتمرن فلما حضرت أحمد بن طولون الوفاة أوصى ولده أبا الجيش خمارويه به فأخذه إليه فلما مات أحمد بن طولون أحضره الأمير أبو الجيش إليه وقال له : أنت عندي بمكانة أرعاك بها ولكن عادتي أني آخذ العهد على كل من أصرفه في شيء إنه لا يخونني فعاهده ثم حكمه في أمواله وقدمه في أشغاله فصار أحمد اليتيم مستحوذاً على المقام حاكماً على جميع الحاشية الخاص والعام والأمير أبو الجيش بن طولون يحسن إليه فلما رأى خدمته متصفة بالنصح ومساعيه متسمة بالنجح ركن إليه واعتمد في أمور بيوته عليه فقال له يوماً : يا أحمد امض إلى الحجرة الفلانية ففي المجلس حيث أجلس سبحة جوهر فائتني بها فمضى أحمد فلما دخل الحجرة وجد جارية من مغنيات الأمير وحظاياه مع شباب من الفراشين ممن هو من الأمير بمحل قريب فلما رأياه خرج الفتى وجاءت الجارية إلى أحمد وعرضت نفسها عليه ودعته إلى قضاء وطره فقال لها : معاذ الله أن أخون الأمير وقد أحسن إلي وأخذ العهد علي ثم تركها وأخذ السبحة وانصرف إلى الأمير وسلمها إليه . وبقيت الجارية شديدة الخوف من أحمد بعدما أخذ السبحة وخرج من الحجرة لئلا يذكرها للأمير فأقامت أياماً لم تجد من الأمير ما غيره عليها . ثم اتفق أن الأمير اشترى جارية وقدمها على حظاياه وغمرها بعطاياه واشتغل بها عمن سواها وأعرض لشغفه بها محن كل من عنده حتى كاد لا يذكر جارية غيرها ولا يراها وكان أولاً مشغولاً بتلك الجارية الخاسرة الخائنة الخائبة الغادرة العائبة العاهرة الفاسقة الفاجرة فلما أعرض عنها اشتغالا بالجارية الجديدة الممجدة السعيدة المسعدة الحامدة المحمودة الوصيفة الموصوفة الأليفة المألوفة العارفة المعروفة وصرف لبهجة محاسنها وكثرة آدابها وجهه من ملاعبة أترابها وشغلته بعذوبة رضابها عن ارتشاف رضاب أضرابها وكانت تلك الجارية الأولى لحسنها متأمرة على تأميره لا تخاف من وليه ولا نصيره فكبر عليها إعراضه عنها ونسبت ذلك إلى أحمد اليتيم لاطلاعه على ما كان منها فدخلت على الأمير وقد ارتدت من الكآبة بجلباب نكرها وأعلنت بالبكاء بين يديه لإتمام كيدها ومكرها وقالت : إن أحمد اليتيم راودني عن نفسي . فلما سمع الأمير ذلك استشاط غيظاً وغضباً وهم في الحال بقتله ثم عاوده حاكم عقله فتأنى في فعله واستحضر خادماً يعتمد عليه وقال له : إذا أرسلت إليك إنساناً ومعه طبق من ذهب وقلت لك على لسانه املأ هذا الطبق مسكاً فاقتل ذلك الإنسان واجعل رأسه في الطبق وأحضره مغطى ثم إن
335
نام کتاب : المستطرف في كل فن مستظرف نویسنده : الأبشيهي جلد : 1 صفحه : 335