أسيد بن أبي العيص بن أميّة ، فضحكوا منه وهزئوا به ، فأنشأ يغنّي [1] : < شعر > فضحتم قريشا بالفرار وأنتم قمدّون [2] سودان [3] عظام المناكب فأمّا القتال لا قتال لديكم ولكنّ سيرا في عراض المواكب < / شعر > - وهذا شعر هجوا به قديما - فقاموا إليه ليتناولوه ؛ فمنعهم العثمانيّ من ذلك وقال : ضحكتم منه حتى إذا أحفظتموه [4] أردتم أن تتناولوه ، لا واللَّه لا يكون ذلك ! قال إسحاق : فحدّثني ابن سلَّام قال أخبرني من رآه على هذه الحال فقال له : أصرت إلى ما أرى ؟ فأشار إلى حلقه وقال : إنّما كان هذا ؛ فلمّا ذهب ذهب كلّ شيء . اعتراف المغنين لمعبد بالتفوق والسبق في صناعة الغناء قال إسحاق : كان معبد من أحسن الناس غناء ، وأجودهم صنعة ، وأحسنهم حلقا [5] ؛ وهو فحل المغنّين وإمام أهل المدينة في الغناء ، وأخذ عن سائب خاثر ، ونشيط مولى عبد اللَّه بن جعفر ، وعن جميلة مولاة بهز ( بطن من سليم ) ، وكان زوجها مولى لبني الحارث بن الخزرج ؛ فقيل لها مولاة الأنصار لذلك . وفي معبد يقول الشعر : < شعر > أجاد طويس والسّريجي بعده وما قصبات السّبق إلا لمعبد < / شعر > / قال إسحاق قال ابن الكلبيّ عن أبيه : كان ابن أبي عتيق خرج إلى مكة فجاء معه ابن سريج إلى المدينة ، فأسمعوه غناء معبد وهو غلام ، وذلك في أيام مسلم بن عقبة المرّيّ ، وقالوا : ما تقول فيه ؟ فقال : إن عاش كان مغنّي بلاده . ولمعبد صنعة لم يسبقه إليها من تقدّم ، ولا زاد عليه فيها من تأخّر . وكانت صناعته التجارة في أكثر أيام رقّه ، وربّما رعى الغنم لمواليه ، وهو مع ذلك يختلف إلى نشيط الفارسيّ وسائب خاثر مولى عبد اللَّه بن جعفر ، حتى اشتهر بالحذق وحسن الغناء وطيب الصّوت . وصنع الألحان فأجاد واعترف له بالتقدّم على أهل عصره . أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قرأت على أبي : قال الجمحيّ : بلغني أن معبدا قال : واللَّه لقد صنعت ألحانا لا يقدر شبعان ممتلىء ولا سقّاء يحمل قربة على الترنّم بها ولقد صنعت ألحانا لا يقدر المتّكىء أن يترنّم بها حتى يقعد مستوفزا [6] ، ولا القاعد حتى يقوم . قال إسحاق : وبلغني أن معبدا أتى ابن سريج وابن سريج لا يعرفه ، فسمع منه ما شاء ، ثم عرض نفسه عليه وغنّاه وقال له : كيف كنت تسمع جعلت فداءك ؟ فقال له : لو شئت كنت قد كفيت بنفسك الطلب من غيرك . قال : وسمعت من لا أحصي من أهل العلم بالغناء يقولون : لم يكن فيمن غنّى أحد أعلم بالغناء من معبد . قال : وحدّثني أيّوب بن عباية قال : دخلت على الحسن بن مسلم أبي العراقيب وعنده جاريته عاتكة ، فتحدّث فذكر معبدا فقال :
[1] كذا في ت ، ح ، ر . وفي سائر النسخ : « يقول » . [2] في جميع الأصول : « تمدّون » بالتاء وهو تحريف . والتصويب عن « خزانة الأدب » للبغداديّ . والقمدّ ( بضم القاف والميم وتشديد الدال ) : القويّ الشديد . [3] سودان : جمع سود وهو جمع أسود ، من السيادة . والشعر للحارث بن خالد المخزوميّ . ( انظر « البغدادي » طبع بولاق ج 1 ص 217 ) . [4] أغضبتموه . [5] كذا في ت بالحاء المهملة ، وفي سائر النسخ : « خلقا » بالخاء المعجمة . [6] قعدة المستوفز ، هي قعدة الجالس على هيئة كأنه يريد القيام .