برهان آخر ، أقامه الطبيعيون [1] من طريق الحركة والتغير . تقريره : أنه قد ثبت فيما تقدم - في مباحث القوة والفعل [2] - أن المحرك غير المتحرك ، فلكل متحرك محرك غيره ، ولو كان المحرك متحركا فله محرك أيضا غيره ، ولا محالة تنتهي سلسلة المحركات إلى محرك غير متحرك دفعا للدور والتسلسل . وهو لبراءته من المادة والقوة ، وتنزهه عن التغير والتبدل ، وثباته في وجوده ، واجب الوجود بالذات أو ينتهي إليه في سلسلة علله . برهان آخر ، أقامه الطبيعيون أيضا من طريق النفس الإنسانية [3] . تقريره : أن النفس الإنسانية مجردة عن المادة ذاتا ، حادثة بما هي نفس بحدوث البدن ، لامتناع التمايز بدون الأبدان واستحالة التناسخ - كما بين في محله [4] - فهي ممكنة مفتقرة إلى علة غير جسم ولا جسمانية ، أما عدم كونها جسما ، فلأنها لو كانت جسما كان كل جسم ذا نفس ، وليس كذلك ، وأما عدم كونها جسمانية ، فلأنها لو كانت جسمانية ، سواء كانت نفسا أخرى أو صورة جسمية أو عرضا جسمانيا ، كان تأثيرها بتوسط الوضع ، ولا وضع للنفس مع كونها مجردة ، على أن النفس لتجردها أقوى تجوهرا وأشرف وجودا من كل جسم وجسماني ، ولا معنى لعلية الأضعف الأخس للأقوى الأشرف . فالسبب الموجد للنفس أمر وراء عالم الطبيعة وهو الواجب ( تعالى ) بلا واسطة أو بواسطة علل مترتبة تنتهي إليه . برهان آخر ، للمتكلمين من طريق الحدوث [5] . تقريره : أن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون وهما حادثان ، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث ،
[1] نسب إليهم في المباحث المشرقية ج 2 ص 451 ، وشوارق الالهام ص 459 ، وشرح الإشارات ج 3 ص 66 ، والأسفار ج 6 ص 42 . [2] راجع الفصل العاشر من المرحلة التاسعة . [3] راجع الأسفار ج 6 ص 44 ، والمطارحات ص 402 - 403 . [4] راجع تعليقات صدر المتألهين على شرح حكمة الاشراق ص 476 . [5] راجع شرح المواقف ص 466 ، وشرح المقاصد ج 2 ص 57 .