فرض الفاعل تام الفاعلية - والمراد به كونه فاعلا بالفعل بانضمام بقية العلل إليه - لا يوجب تغير نسبته في نفسه إلى الفعل من الإمكان إلى الوجوب . واحتج المتأخرون [1] على جواز كون الشئ الواحد من حيث هو واحد فاعلا وقابلا بلوازم الماهيات سيما البسائط منها ، فما منها إلا وله لازم أو لوازم كالإمكان وكونه ماهية ومفهوما ، وكذا المفاهيم المنتزعة من ذات الواجب ( تعالى ) كوجوب الوجود والوحدانية ، فإن الذات فاعل لها وقابل لها . والحجة - كما عرفت - لا تتم إلا فيما كان القبول فيه بمعنى الاتصاف ، فالقبول والفعل فيه واحد . وأما ما كان القبول فيه انفعالا وتأثرا واستكمالا ، فالقبول فيه يلازم الفقدان ، والفعل يلازم الوجدان ، وهما متنافيان لا يجتمعان في واحد . الفصل الحادي عشر في العلة الغائية وإثباتها سيأتي - إن شاء الله [2] - بيان أن الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث إنه بالقوة [3] ، فهناك كمال ثان يتوجه إليه المتحرك بحركته المنتهية إليه ، فهو الكمال الأخير الذي يتوصل إليه المتحرك بحركته ، وهو المطلوب لنفسه ، والحركة مطلوبة لأجله ، ولذا قيل [4] : ( إن الحركة لا تكون مطلوبة لنفسها ، وإنها لا تكون مما تقتضيه ذات الشئ ) . وهذا الكمال الثاني هو المسمى ( غاية الحركة ) ، يستكمل بها المتحرك ، نسبتها إلى الحركة نسبة التمام إلى النقص ، ولا تخلو عنها حركة وإلا انقلبت سكونا .
[1] هكذا احتج عليه الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 516 . [2] راجع الفصل الثالث من المرحلة التاسعة . [3] كذا رسمها أرسطو على ما نقل عنه في المباحث المشرقية ج 1 ص 549 . [4] كما قال الشيخ الرئيس في التعليقات ص 108 : ( الغرض في الحركة الفلكية ليس هو نفس الحركة بما هي هذه الحركة . . . ) .