- سيأتي تحقيقه وإثباته في مباحث الوجود الذهني لاحقاً - ثمّ نعكسه بعكس النقيض ، فيُنتج الكبرى التي نحن بصدد إثباتها ، وحصيلة الأصل الموضوعي هي : إنّ كلّ ما يرتسم بكنهه وهويّته في الأذهان من الحقائق الخارجيّة ، يجب أن يكون ماهيّة محفوظة مع تبدّل نحو الوجود ، وذلك لما سيأتي في مبحث الوجود الذهني من أنّ كلّ ما له ماهيّة فإنّه يأتي بكنهه وحقيقته إلى الذهن مع اختلاف نحو الوجود ، فالإنسان مثلاً في الخارج وفي الذهن واحد من حيث الحدّ والتعريف الماهوي ، إذ إنّ الإنسان في الخارج يصدق عليه أنّه حيوان ناطق ، وكذا الإنسان في الذهن ; ولذا قالوا : إنّ التعريف إنّما يكون للماهيّة وبالماهيّة ، فكلّ ما يرتسم في الذهن إنّما يرتسم بالماهيّة ، ومعرفة الأشياء إنّما هي بماهيّاتها الذاتيّة أو العرضيّة أي بالحدّ أو بالرسم ، فالماهيّة هي الصورة العلميّة للشئ ، وهي محفوظة بمعناها العلمي وصورتها الثابتة ، وإن تبدّل وجودها أنحاء التبدّلات . والحاصل : أنّ كلّ ما يأتي من الخارج بعينه وكنهه إلى الذهن فهو ماهيّة من الماهيّات . ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ المراد من العينيّة بين الماهيّة في الخارج والماهيّة في الذهن ، هي المثليّة والتجانس في التعريف المنطقي ، أي أنّ الحيوان الناطق يصدق على الإنسان في الذهن كما يصدق على الإنسان في الخارج ، وليس المراد من العينيّة الوحدة والتطابق في الماهيّة التي هي حدّ الوجود في البحث الفلسفي [1] ; لأنّ الوجود وهو المحدود إذا كان متعدّداً فلا بدّ أن يتعدّد الحدّ بالضرورة ، إذ لو فسّرنا الماهيّة بالحدّ الفلسفي لا يُعقل حينئذٍ أن تكون
[1] هذا بناءً على ما فهمه جملة من المحقّقين من اعتباريّة الماهيّة ، حيث فسّروا كلمات الحكماء في اعتباريّة الماهيّة بأنّها حدّ الوجود ، ولنا فهم وتفسير آخر لكلمات الحكماء ، سيأتي ذكره في الفصول اللاحقة .