نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 3 صفحه : 250
وأنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها فإن استعملك الهوى أرداك وهلكت وإن استعملك العقل الذي بيده سراج الشرع نجوت وأنجاك الله به فإن العقل السليم المبرأ من صفات النقص والشبه هو الذي فتح الله عين بصيرته لإدراك الأمور على ما هي عليه فعاملها بطريق الاستحقاق فأعطى كل ذي حق حقه ومن لم يعبد الله في أرض بدنه الواسعة فما عبد الله في أرضه التي خلق منها فإن الله يقول وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وهو الماء الذي نبع من هذه الأرض البدنية واستقر في رحم المرأة ثم سواه فبعد تسوية أرض البدن وقبوله الاشتعال بما فيه من الرطوبة والحرارة نفخ الله فيه فاشتعل فكان ذلك الاشتعال روحا له فما خرج إلا منه فمنه خلق وجعل العقل في هذه النشأة نظير القمر في الأرض نورا يستضاء به ولكن ما له ذلك النفوذ بالحجب المانعة من البيوت والجدران والأكنة وجعل الشرع لهذا العقل في هذه الأرض البدنية سراجا فأضاءت زوايا هذه الأرض بنور السراج فأعطى من العلم بها مما فيها ما لم يعطه نور العقل الذي هو بمنزلة القمر ثم يعيدنا فيها يعني في النشأة الأخرى أيضا كما خلقنا فيها ويخرجنا إخراجا لمشاهدته كما أنشأنا منها وأخرجنا لعبادته فخلق أرواحنا من أرض أبداننا في الدنيا لعبادته وأسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته إن كنا سعداء كما آمنا به في النشأة الأولى لما اعتنى الله بنا والحال مثل الحال سواء في تقسيم الخلق في ذلك وكذلك يكونون غدا والموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر الأرواح فيها أجسادا برزخية خيالية مثل ما أعمرتها في النوم وهي أجساد متولدة عن هذه الأجسام الترابية فإن الخيال قوة من قواها فما برحت أرواحها منها أو مما كان منها فاعلم ذلك فارض الله التي هي ركن موجودة وأنت فيها مدفون وما أمرت بعبادة ربك وما دمت في أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك وسراج شرعك فأنت مأمور بعبادة ربك فهذه الأرض البدنية لك على الحقيقة أرض الله الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك ومن مات فقد قامت قيامته وهي القيامة الجزئية وهو قوله وفيها نعيدكم فإذا فهمت القيامة الجزئية بموت هذا الشخص المعين علمت القيامة العامة لكل ميت كان عليها فإن مدة البرزخ هي للنشأة الآخرة بمنزلة حمل المرأة الجنين في بطنها ينشئه الله نشأ بعد نش ء فتختلف عليه أطوار النش ء إلى أن يولد يوم القيامة فلهذا قيل في الميت إنه إذا مات فقد قامت قيامته أي ابتدأ فيه ظهور نشأة الأخرى في البرزخ إلى يوم البعث من البرزخ كما يبعث من البطن إلى الأرض بالولادة فتدبير نشأة بدنه في الأرض زمان كونه في البرزخ ليسويه ويعدله على غير مثال سبق مما ينبغي للدار الآخرة فيعبده فيها أعني في أرض نشأته الأخراوية عبادة ذاتية لا عبادة تكليف فإن الكشف يمنعه إن يكون عبدا لغير من يستحق أن يكون له عبدا كما ينال هذا المقام رجال الله هنا ولما خلق الله أرض بدنك جعل فيها كعبة وهو قلبك وجعل هذا البيت القلبي أشرف البيوت في المؤمن فأخبر إن السماوات وفيها البيت المعمور والأرض وفيها الكعبة ما وسعته وضاقت عنه ووسعه هذا القلب من هذه النشأة الإنسانية المؤمنة والمراد هنا بالسعة العلم بالله سبحانه فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة وأنها أرض عبادتك فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك لأن قلبك محجوب أن يدركه بصرك فإنه في الباطن منك فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله وعين بصيرتك تشهده فإنه ظاهر لها ظهور علم فتراه بعين بصيرتك وكأنك تراه من حيث بصرك فتجمع في عبادتك بين الصورتين بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال وبين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال فتعبده مطلقا ومقيدا وليس ذلك لغير هذه النشأة فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرم وبيته المعظم المكرم وقد أشرت إلى هذا المعنى بقولي من كان حقا كله * قد زال عنه كله * فالحق شخص قائم * وأنت منه ظله أو أنت فيه ظله * فالأمر حق كله * حرامه محترم * فالحل لا يحله عن كل ما لا ينبغي * فإنه يجله فكل من في الوجود من المخلوقات يعبد الله على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن فإنه يعبده على المشاهدة ولا يكمل
250
نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 3 صفحه : 250