ومن هنا تبيّن أنّ ظاهر النصّ المذكور هو مدح التعمّق ، وترغيب المتعمّقين ، وأنّه لا حدّ وراء ما تحويه سورة التوحيد والآيات الستّ من سورة الحديد ، وأنّ تهلكة من رام وراءه فإنّما هي إرشاد إلى نفي الحدّ الفائق ، إذ السلوك فيما لا طريق إليه ولا حدّ له تيه ، والتائه هالك ، والهالك عن بيّنة في جهنم لا رحمة فيها ، كما في نهج البلاغة الكتاب 27 : « دار ليس فيها رحمة ولا تسمع فيها دعوة » . إنّ رواسي الحكمة المتعالية وأوتادها الَّذين وتّد اللَّه سبحانه بهم بعد الأئمّة الأطهار - عليهم السّلام - ميدان أرض المعرفة ، لئلَّا يزلّ أو يضلّ أو يذلّ من ليس له حكيم يرشده ، قد استنبطوا من هذا الحديث النورانيّ ، أنّه في سياق مدح المتعمّقين ، حيث قال صدر المتألَّهين - قدّس سرّه - ما عصارته : إنّ هذا العبد كان في سالف الزمان متأمّلا في رموز القرآن وإشاراته ، وكان المتفتّح من آيات هذه السورة أكثر من غيرها ، فحداني ذلك إلى تفسير القرآن . ، وكان أوّل ما أخذت في تفسيره هذه السورة ( سورة الحديد ) . ثمّ بعد أن وقع إتمام تفسيرها . واتّفقت مصادفتي لهذا الحديث . ، فاهتزّ خاطري . ، وانبسط نشاطي . ، فشكرت اللَّه على ما أنعم . [1] . وقد اقتفى صهره في الوافي أثره ؛ لأنّه منه كالضوء من الضوء ، وكالصنو من الصنو ، والذراع من العضد ، حيث قال رحمه اللَّه : لعلَّه - عليه السّلام - أشار بالمتعمّقين إلى أكابر أهل المعرفة ، ولعمري أنّ في سورتي : التوحيد والحديد ما لا يدرك غوره إلَّا الأوحديّ الفريد ؛ ولا سيّما الآيات الأول من سورة الحديد ، وخصوصا قوله عزّ وجلّ * ( « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ » ) * [2] ! ولكنّ العلَّامة المجلسيّ - قدّس سرّه - بعد وصفه الحديث بأنّه صحيح احتمل في قوله عليه السّلام : « المتعمّقون » ثلاثة احتمالات :
[1] شرح الأصول من الكافي : ص 248 الطبعة الحجريّة . [2] الوافي : ج 1 ص 369 ط مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام .