آية التّجارة وآية حلّ البيع ومرّ أيضا عدم تماميّة دلالة الصّحيحة بناء على ما اختاره في مناط الاستدلال بها وأمّا بناء على ما ذكرناه فيه فلا بأس بالاستدلال بها فتأمّل وافهم قوله أو سياق التّحديد ( 1 ) أقول يعني تحديد التّجارة في الآية بتوصيفها بعن تراض وتقييدها به قوله على أنّ غير التّجارة عن تراض إلى آخره ( 2 ) أقول هذا متعلَّق بدلّ بطور اللَّف والنّشر المرتّب فلا تغفل قوله وفيه أنّ دلالته على الحصر ممنوعة ( 3 ) أقول ظاهره أنّ الاستثناء المنقطع لا يفيد الحصر ولا وجه له إلَّا توهّم أنّ إلَّا في المنقطع بمنزلة لكن للاستدراك وفيه أنّ استعمالها في معنى لكن في أمثال المقام في غاية البعد بل غلط محض ولذا لا يصحّ استعمالها فيما يصحّ فيه استعمال لكن مثل جاءني زيد لكن عمرو فهي في كلّ مورد قد استعملت في معناها الحقيقي غاية الأمر مبنيّا على ادّعاء دخول ما بعدها فيما قبلها مبالغة في الحصر وبالجملة لا وقع في الخدشة في دلالة الآية من جهة الحصر بانقطاع الاستثناء هذا مع أنّه يمكن أن يقال بأنّ الاستثناء في الآية متّصل مفرّغ والمستثنى منه هو الأموال بلحاظ عمومها لحال طروّ التّجارة عليها وحال عدمه والوجه في ذلك أنّ الظَّاهر ولا أقلّ من الاحتمال أنّ بالباطل ظرف مستقرّ متعلَّق بما تعلَّق به بينكم الَّذي هو صفة الأموال أعني الحاصلة والضّمير في تكون مؤنّث راجع إلى الأموال الموصوفة بالوصف الكذائي لا أنّه مذكَّر راجع إلى سبب الأكل المستفاد من قوله بالباطل بلحاظ تعلَّقه بلا تأكلوا وإنّما أنّث باعتبار تأنيث الخبر وهو التّجارة لأنّه خلاف الظَّاهر بلا وجه إذ ليس في الآية ذكر السّبب حتّى يرجع الضّمير إليه ولو بني الأمر على ارتكاب خلاف الظَّاهر في الآية فالأولى إرجاع الضّمير إلى الأكل وتقدير مضاف إلى التّجارة فيكون المعنى إلَّا أن يكون الأكل أكل تجارة عن تراض وبالجملة الظاهر رجوع الضّمير إلى الأموال والتّجارة مصدر بمعنى المفعول كناية عن الأموال أو صفة لمحذوف وهو الأموال يعني أموالا متجورة وردت عليها التّجارة عن تراض وإضافة الأموال إلى ضمير الجمع للاختصاص ولكن بلحاظ نظر المخاطبين لا بلحاظ الواقع ونظر الشرع لعدم معقوليّة أكل المالك الشّرعي مال نفسه بالسّبب الباطل بناء على الظَّاهر من تعلَّق الباء بلا تأكلوا مع كونها للسّببيّة وعدم معقوليّة كون المال له شرعا بالسّبب الباطل شرعا بناء على تعلَّقها بالمقدّر كما ذكرنا وتوهّم تعلَّقها بالأكل مع كونها بمعنى في يعني لا تصرفوا أموالكم في الأمور الباطلة فاسد جدّا لفساد المعنى حينئذ قطعا والباطل وإن فسّر في المرويّ عن الباقر عليه السّلام بالقمار والرّبا والنجس والظَّلم إلَّا أنّ الظَّاهر أنّه من باب المثال فيعمّ غيره كالغشّ بما يخفى والمقبوض بالعقد الفاسد والفضولي قبل الإجازة إلى غير ذلك فيكون المعنى على ما ذكرنا لا تأكلوا الأموال الحاصلة عندكم والصّائرة بيدكم بالأسباب الباطلة في حال من الأحوال أي سواء طرأ عليها عنوان التّجارة والمعاملة عن تراض أم لا إلَّا أن تكون تلك الأموال المأخوذة بالباطل أموالا يتّجر عليها عن تراض ويطرأ عليها هذا العنوان فيحلّ أكلها ويرتفع الحرمة عنها ويؤيّده موافقته لقراءة رفع التّجارة على الفاعليّة لتكون تامّة بمعنى تقع إذ المعنى بناء عليه إلَّا أن تقع تجارة عن تراض عليها أي على تلك الأموال وعلى هذا لا إشكال في إفادتها الحصر ولكن لا ينافي صحّة الفضولي لأنّ المال الَّذي تعلَّق به عقده إنّما هو يصير بعد الإجازة من مصاديق المستثنى كما لا يخفى على المتدبّر فتدبّر قوله كما هو ظاهر اللَّفظ ( 4 ) أقول قضيّة هذا التّعبير احتمال اتّصال الاستثناء في الآية غاية الأمر خلاف الظَّاهر وهو مناف لما ذكره في تعليله من ضروريّة عدم فرديّة التّجارة عن تراض للباطل وقد يوجّه بأنّ نظره في احتمال الاتّصال إلى احتمال ابتنائه على التّناسي والتّغافل عن قيد عن تراض وملاحظة نفس المقيّد نظير العطف على التّوهّم فافهم قوله ككونه واردا مورد الغالب إلى آخره ( 5 ) أقول ورود القيد بلحاظ الغالب وإن كان أمرا صحيحا إلَّا أنّه لا يعدّ فائدة في عرض الفوائد فتنزيل القيد عليه في معنى إلغائه ولذا ربّما يلتمس له فائدة كما في آية الرّبائب ويقال إنّ فائدة القيد فيها بيان نزول الرّبائب منزلة الأولاد وبالجملة صحّة ملاحظة الغلبة لا تنافي كونه ظاهرا في المفهوم ولو بمعونة سياق التّحديد مضافا إلى المؤيّدات العقليّة والنّقليّة القاضية لمدخليّة الرّضا في النّقل والانتقال الاختياريّ الموجبة لتقييد التّجارة به لو كانت غير مقيّدة به كذا قيل قوله مع احتمال أن يكون إلى آخره ( 6 ) أقول هذا إشارة إلى منع التّحديد بالقيد ولا يخفى أنّ الاحتمال المذكور إنّما يجدي فيما إذا أوجب تعدّد الاستثناء وكون كلّ واحد من الخبرين علَّة للحلّ في عرض الآخر بحيث يكون الكلام بتقدير أو بين الخبرين كما يقتضيه قوله ومن المعلوم أنّ السّبب الموجب إلى آخره ( 7 ) يعني أنّ السّبب أي العقد الموجب لحلّ الأكل في عقد الفضولي إنّما نشأ إيجابه له وتأثيره فيه عن التّراضي من المالكين لا نفس السّبب وهو العقد لأنّه فيه لم ينشأ منه وأنت خبير بأنّ تعدّد الخبر في مثل المقام يوجب اعتبار اجتماعهما في موضوع واحد كما في قوله الرّمّان حلو حامض فيفيد فائدة التّقييد ويسلم عن احتمال الورود مورد الغالب فيكون دلالة الآية مع هذا الاحتمال على مدّعى الخصم أقوى منها مع خلافه وهو احتمال التّوصيف والتّقييد هذا مع أنّه يرد على تعدّد الاستثناء أنّ قضيّة الخبر الأوّل كون التّجارة مطلقا ولو بلا تراض مجوّز للأكل وهو باطل وإن قيدت بالتّراضي فلازمه وحدة المستثنى وهو خلف وقضيّة الخبر الثّاني بقرينة كلمة عن اعتبار مقارنة سبب حلّ الأكل للتّراضي ومجاوزته عنه في تأثيره وهي منتفية في الفضولي لأنّ عقده لم يتجاوز عن تراضي المالكين وإنّما الَّذي تجاوز عنه إنّما هو أثره وهو الحلّ لا نفسه فجعله خبرا آخر يوجب مخالفة ظهور رجوع ضمير يكون إلى نفس السّبب وإرجاعه إلى أثره وبعبارة أخرى إلى وصف تأثيره وهو كما ترى قوله إنّما نشأ عن التّراضي ( 8 ) أقول قد مرّ بيان المراد منه وما يتّجه عليه قوله على قراءة نصب التّجارة إلى آخره ( 9 ) أقول التّقييد بهذا من أجل تعيّن القيديّة