وقال شمس الدين أبو الخير الجَزري الشافعي في وصفه : شيخ الشيعة والمجتهد في مذهبهم ، وهو إمام في الفقه والنحو والقراءة ، صحبني مدة مديدة ، فلم أسمع منه ما يخالف السنّة . وقال عنه نور الدين الكركي [1] شيخنا الامام ، شيخ الإسلام ، علَّامة المتقدمين ، وئيس المتأخرين ، حلَّال المشكلات ، وكشّاف المعضلات ، صاحب التحقيقات الفائقة ، والتدقيقات الرائقة ، حبر العلماء ، وعلم الفقهاء . وكان الشهيد يقيم مدداً غير قصيرة في دمشق ، فاتسعت شهرته ، وعظُمت مكانته في النفوس ، فالتفوا حوله ، وأخذوا عنه وتفقّهوا به ، وحضر مجلسه العلماء من مختلف المذاهب ، وسعى في نشر التشيّع في جو من التآلف ، ونبذ الخلافات ، وجدّ في التحريض والردّ على أهل البدع ( أمثال محمد اليالوش وأتباعه ) . وكانت له علاقات وثيقة ومراسلات مع ملك خراسان علي [2] بن المؤيد ، يرجع تاريخها إلى أيام إقامته في العراق . وفي السنوات الأخيرة من عمر الشهيد كتب إليه الملك المذكور رسالة التمس فيها منه التوجه إلى بلاده ليكون مرجعاً للخراسانيين ، فأبى واعتذر له ، ثم صنّف له في مدة سبعة أيام كتاب « اللمعة الدمشقية في فقه الامامية » وبعث بها إليه . وثقُل أمر الشهيد على خصومة ( من المتعصّبين والمبتدعين والنفعيّين ) فتقرّر
[1] هو أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي . الملقّب بالمحقّق الثاني ( 868 940 ه ) : من كبار مجتهدي الامامية ، ارتحل إلى مصر والعراق ، ثم أقام بإيران ، وتقدّم عند الشاه ( طهماسب ) ، وستأتي ترجمته في الجزء العاشر إن شاء اللَّه تعالى . [2] من ملوك السربدارية الشيعة الذين حكموا خراسان بعد وفاة محمد خدابنده ، وكان علي بن المؤيد آخر من حكم منهم ، ولي سنة ( 766 ه ) ، واهتم بنشر التشيع وبالشئون الفكرية والعمرانية ، وتوفي سنة ( 795 ه ) . انظر « الروضة البهية » المقدمة ، بقلم الشيخ محمد مهدي الآصفي .