دفّتيها من النصوص أضعاف ما نقلته المجاميع الحديثية لدى الجمهور ، فكان الفقه الإمامي مبنيّاً علمياً وفقهياً على النصوص والأحاديث ومستنبطاً منها ، وهذه نقطة هامّة وأساسية جداً في الفرق بين الاجتهاد في هذا الفقه والاجتهاد في المذاهب الأُخرى . 4 - ومن الأسباب التي ينبغي أن تذكر في هذا المضمار ما قامت به السلطة العباسية من غلق باب الاجتهاد والفقاهة وحصر المذاهب الفقهية في المذاهب الأربعة المعروفة ومصادرة حق الاجتهاد عن غيرهم ، وهذا العمل مهما كانت بواعثه ودواعيه - بعد أن صار هو الموقف الرسمي للدولة واضطر الناس والعلماء إلى الالتزام به ، بل والدفاع عنه واعتباره جزءً من الدين - كان من أهم أسباب انحطاط العلم والاجتهاد بكلا معنييه ، واستوجب تحديد طاقات وقابليات أهل العلم والفضل من أبناء الأُمّة المنتمين إلى المذاهب العامّة وحتى يومنا الحاضر ؛ حيث انقلب الفقهاء بعد هذا التاريخ إلى مقلّدة للأئمة الأربعة لا يحق لهم غير الترجيح بين المذاهب وحظر عليهم الخروج عن أقوال أئمتها مهما ظهر ضعفها ومهما تطوّر الاجتهاد أو عثر على أحاديث معتبرة لم تصل إليهم ، بل اتجه هؤلاء المقلّدة على العكس من ذلك إلى اعتبار الأئمة الأربعة الذين كانوا أُناساً عاديين كغيرهم من أهل العلم في زمانهم كأنّهم معصومون لا يمكن مخالفتهم ، فلابدّ من تأويل أو طرح ما يخالف فتواهم من الروايات ولو كانت معتبرة سنداً . وقد كانت ترتفع بين آونة وأُخرى نداءات من قبل بعض العلماء تدعو إلى فتح باب الاجتهاد وكسر هذا الحصار الذي فرض عليه ، إلاّ أنهم كانوا يواجهون بالقمع والطرد من قبل الحكّام والمخالفة والانكار من قبل جمهور أهل العلم من أتباع المذاهب الأربعة . فهذه أهم العوامل التي سببت الركود والجمود في تلك المذاهب ، كما أجبرت الناس على لزوم الرجوع في التقليد إلى علماء ماتوا قبل مئات السنين .