فكان من الطبيعي أن يتخذ الحاكمون موقف المعارضة لا من مذهب الأئمة وفقهاء مدرستهم فحسب ، بل ومن كل من ينقل عنهم الحديث مهما كان على درجة عالية من الورع والأمانة والعلم والتقوى كما تشهد بذلك كتب التاريخ والسير . كما كان من الطبيعي أيضاً تبنّي وترويج مذاهب أُخرى واختلاق شخصيات كاذبة في قبال أهل البيت ( عليهم السلام ) أو إثارة الطعون والتشكيكات ضد أتباعهم وتراثهم الذي كان هو الامتداد الطبيعي والشرعي للتراث النبوي الطاهر . 2 - إنّ بعض المذاهب الفقهية العامة قد تبنّته السلطة الحاكمة واعتبرته المذهب الرسمي للدولة ونصبت علماءه في المناصب الدينية والرسمية وأجرت الأحكام والقضاء على أيديهم وجعلت المقرّرات على أساس من مذهبهم ، وفرضت كل ذلك بالقوّة وعاقبت من كان يخالفه واعتبرته خارجاً عن الدين محروماً من الحقوق والامتيازات ، فكان لهذا الأثر البالغ في استمرار تلك المذاهب وانتشارها مهما كان فيها من عناصر الضعف والخلل ؛ فإنّ الناس على دين ملوكهم . 3 - إنّ نقل السنة النبوية عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) ومن واكبهم من الصحابة وإن كان منذ العصر الأوّل وقبل ظهور المذاهب الفقهية إلاّ أنّ انتشارها الواسع وتدوينها وتصنيف المجاميع والصحاح فيها جاء متأخراً عن ذلك ، كما هو واضح لكلّ من يراجع تاريخ تأليف تلك المجاميع . وهذا يعني أنّ الفتاوى والأحكام الشرعية في تلك المذاهب كانت مقرّرة ومفروغاً عنها قبل تجميع تلك الأحاديث والتي لم تكن كلها معروفة لدى أئمة المذاهب ، وهذا يعني أنّ أكثر تلك الفتاوى لم تكن مستنبطة بعد الفحص عن جميع الأحاديث والاشراف الكامل عليها ؛ لأنّها لم تكن مجتمعة عندهم ، فمن المحتمل قوياً إنّ اعتناق وتبنّي مؤلفي الصحاح والمجاميع الحديثية لمذهب فقهي معين كان له الأثر البالغ في جمع الأحاديث والروايات الأكثر مطابقة مع مذهبه الفقهي وعدم الاكتراث بما يخالفها ، وهذا تماماً على عكس ما حصل في فقه الإمامية - على ما سيأتي - حيث إنّ مرحلة الاجتهاد الفقهي بدأت فيه بعد أن تكاملت واجتمعت الأحاديث والسنن الصادرة عن المعصومين طيلة ثلاثة قرون ضمن أُصول حديثية ومجاميع كبيرة ضمّت بين